الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : التوبة والإنابة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
17 - رقم الاستشارة : 5890
20/09/2026
أنا شاب غير متزوج، أشتغل والحمد لله. قبل فترة وقعت في كبيرة من الكبائر، ومن يومها حسيت بالندم الحقيقي؛ بكيت بيني وبين نفسي وتِبت لله عز وجل، وعاهدته إني ما أرجع لهذا الذنب أبدًا. والحمد لله، للحين أنا ثابت على عهدي ومستمر في توبتي، والذنب مستور وما يعلم به أي إنسان.
لكن المشكلة اللي تعباني هي هالشعور الشديد بالذنب اللي ما يفارقني. كلما تذكرت السالفة يجيني ضيق في صدري وأحس إني ما أستاهل مغفرة ولا أستحق إن الله يوفقني أو يكرمني في مستقبلي، سواء في شغلي أو لما أفكر أقدم على الزواج.
صرت حتى وأنا أصلي وأسوي الطاعات يجيني خاطر إني شخص ما أصلح أكون إنسان صالح، وهالشي يهدّ طاقتي وينكّد عليّ أيامي، وخلاني أحس بعزلة نفسية حتى وأنا جالس بين أهلي. وتعبت من هالخوف والضيق.
شلون أقدر أطلع من هالدوامة؟ وشلون أستشعر رحمة الله وأرجع أعيش حياتي وأنا مطمئن؟
وجزاكم الله خير.
مرحبًا
بك يا ولدي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يربط على قلبك، وأن
يغفر ذنبك، ويطهر قلبك، ويصرف عنك وساوس الشيطان، وأن يفتح لك أبواب التوفيق
والنجاح، وأن يرزقك الزوجة الصالحة والسكينة والطمأنينة، وبعد...
فالألم
الذي تشعر به يا ولدي، والضيق الذي يخنق صدرك هو تجربة يمر بها كثير من التائبين
عندما يغفلون عن فقه التوبة ورحمة الله الواسعة. لقد جمعت في توبتك شروطًا عظيمة:
الندم، والبكاء، والإقلاع، والعزم على عدم العودة، والستر؛ وهي مقومات التوبة
النصوح. ولكنك اليوم تقع في حبائل حيلة خفية من حيل الشيطان وهي وسواس القنوط وجلد
الذات، وهي مدخل يحاول الشيطان من خلاله إفساد طاعتك وقطع طريقك إلى الله، بعد أن
عجز عن إبقائك في الذنب.
حقيقة
التوبة وسعة رحمة الله
اعلم
يا ولدي أنك بدخولك باب التوبة الصادقة قد فتحت مع الله صفحة جديدة ناصعة البياض.
فالله -عز وجل- لم يشرع التوبة لتظل مُعَذَّبًا بالذنب طول حياتك؛ بل شرعها لتطهرك
وتفتح لك أفق الأمل.
الذنب
يُمحى بالتوبة الصادقة
يقول
الله -تعالى- في كتابه الكريم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى
أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. لاحظ أن
الله نادى المذنبين بكلمة «عبادي»، ونهاهم عن القنوط، وأكد مغفرة الذنوب جميعًا
دون استثناء متى ما تاب العبد.
وقد
قال رسول الله ﷺ:
«التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ» [رواه ابن ماجة]. فالحديث لم
يقل «كمن له ذنب مغفور»، بل جعل التائب خالي الصحيفة تمامًا كأنه لم يفعل الذنب
أصلًا.
الله
يفرح بتوبتك:
الله
-سبحانه- لا يريد منك أن تظل مسكونًا بالخوف المشلول؛ بل يريدك أن تُقبِل عليه
بفرح ورجاء. قال رسول الله ﷺ:
«لَلَّهُ أشَدُّ فرَحًا بتَوبةِ عَبدِه المُؤمِنِ، مِن رَجُلٍ في أرضٍ دَوِّيَّةٍ
مَهلِكةٍ، معهُ راحِلَتُه عليها طَعامُه وشَرابُه، فنامَ فاستَيقَظَ وقد ذَهَبَت،
فطَلَبَها حتَّى أدرَكَه العَطَشُ، ثُمَّ قال: أرجِعُ إلى مَكانيَ الذي كُنتُ فيه،
فأنامُ حتَّى أموتَ، فوضَعَ رَأسَه على ساعِدِه ليَموتَ، فاستَيقَظَ وعِندَه
راحِلَتُه وعليها زادُه وطَعامُه وشَرابُه، فاللهُ أشَدُّ فرَحًا بتَوبةِ العَبدِ
المُؤمِنِ مِن هذا براحِلَتِه وزادِه» [متفق عليه]. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
فإذا
كان الله يُحبك ويفرح بتوبتك، فكيف تشك في استحقاقك للمغفرة؟
ستر
الله عليك نعمة وبشارة
أن
يسترك الله في ذنبك حتى تبت هي نعمة كبرى تدل على إرادته الخير لك. وستر الله عليك
رحمة وفضل، فلا ترهق نفسك بإدامة اللوم والازدراء.
تفكيك
وسواس «عدم الاستحقاق»
ما
تشعر به الآن من اختناق ووساوس تريد أن تقنعك بأنك شخص غير صالح ليس دليلًا على أن
الله لم يغفر لك، بل هو نتاج أمرين:
أولًا-
فخ الشيطان البديل: لما عجز الشيطان عن إبقائك في المعصية، جاءك من باب بديل، وهو
جلد الذات، ليهمس لك: «أنت منافق، كيف تصلي وقد فعلت كذا؟ أنت لا تستحق المغفرة
ولا التوفيق». وهدف الشيطان من هذا هو إطفاء شعلة الطاعة في قلبك، وإيصالك لمرحلة
اليأس لترجع عن الطاعة وتعود إلى المعصية.
ثانيًا-
الخلط بين عظمة الذنب وعظمة العفو: شعور الثقل الذي تحس به يوافق حديث النبي ﷺ: «إِنَّ
الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ
عَلَيْهِ» [رواه البخاري]. وهذا أمر طيب في بدايته؛ لأنه يولد الندم و«النَّدَمُ
تَوْبَةٌ» كما قال النبي ﷺ [رواه ابن ماجة]؛ لكنه يتحول إلى مرض نفسي وديني إذا جعلك تسيء الظن بالله.
تذكَّر
يا بني القصة التي رواها لنا النبي ﷺ عن الرجل الذي قتل مائة نفس؛ هذا الرجل ارتكب أعظم الجرائم وأبشع الكبائر، ومع ذلك
لما صدق في التوبة، واستجاب لنصح العالم، وخرج مهاجرًا إلى أرض الصالحين، ومات في
الطريق، تخاصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمر الله الأرض أن تقترب من
أرض الصالحين، فأخذته ملائكة الرحمة.
فإذا
كان من قتل مائة نفس تُقبل توبته وتتغير له الأرض، أفلا تسعك رحمة الله وأنت الشاب
التائب الذي بكى وندم وثبت على عهده؟ بل إن الله -تعالى- يرفع التائب الصادق لدرجة
أعلى مما كان عليها؛ يقول تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا
صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ
اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: 70].
اقتراحات
عملية للخروج من هذه الدوامة
لكي
تستعيد طمأنينتك وترجع لحياتك الطبيعية وعملك وتفكر في مستقبلك، أنصحك بالخطوات
التالية:
1-
إغلاق ملف الماضي نهائيًّا: الماضي انقضى بحلوه ومره، والتوبة حسمت
أمره. فكلما جاءك خاطر يذكرك بالذنب، قل بلسانك وقلبك: «اللهم إنك عفو تحب العفو
فاعف عني»، ثم اصرف ذهنك فورًا عن هذا الخاطر، وانشغل بعمل مفيد.
2-
الإكثار من العمل الصالح: قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ
يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]، وقال ﷺ: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ
تَمْحُهَا» [رواه الترمذي]. فخصص -مثلًا- صدقة سر دورية، أو خبيئة بينك وبين الله
من عمل صالح، كصلاة ركعتين في أوقات السحر، فهذا يمنحك شعورًا داخليًّا عميقًا
بالاطمئنان والرضا.
3-
كسر العزلة فورًا: العزلة والجلوس مفردك هما المضمار الذي
يجري فيه وسواس الشيطان، فاخرج منه فورًا واجلس مع أهلك، شاركهم الأحاديث
والابتسامات، مارس الرياضة ولو مجرد المشي، أو أي هواية مباحة تحبها، لفرز هرمونات
تحسين المزاج وتفريغ الشحنات السلبية.
4-
الإقدام على الزواج وتطوير العمل: اسعَ إلى إعفاف نفسك وصيانة شبابك
بالإقدام على الزواج متى ما استطعت. فالزواج طاعة وستر وليس مكافأة تنالها بعد
الخلو من العيوب؛ بل هو من أعظم أسباب التوفيق واستجلاب رزق الله ورحمته. وكذلك في
عملك، اجتهد وتطلع للترقي، فالله يرزق التائبين ويصلح بالهم.
5-
الشكر والدعاء: داوم على شكر الله -تعالى- على أن مَنَّ عليك بالتوبة
ولم يمكِّن الذنب منك حتى يملكك، وادع الله أن يثبتك على الهدى، واستشعر أن كل
صلاة تؤديها هي دليل على حُب الله لك؛ لأنه لو لم يردك لما أقامك بين يديه.
وختامًا
يا ولدي، أسأل الله أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويزيل همك، وأن ينزل على قلبك برد
السكينة والطمأنينة، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين.
روابط
ذات صلة: