كيف يتعامل «الصنايعي» مع زوجة جامعية تتعالى عليه؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الحياة الزوجية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 7
  • رقم الاستشارة : 4723
03/05/2026

أنا رجل حرفي (صنايعي) لم أكمل تعليمي، والحمد لله ناجح في عملي، والناس تشهد بأخلاقي الطيبة. مشكلتي أني تزوجت فتاة تحمل مؤهلًا عاليًا (خريجة جامعة) لا تعمل بشهادتها، لكني منذ بداية زواجنا وأنا أشعر أني قليل في نظرها، وفي كل خلاف تلمح لي بأنها جامعية وأنا «صنايعي» حتى أمام أولادي، وزاد هذا بعدما تزوجت أختها من رجل متعلم تعليما عاليا، ويعمل في وظيفة مرموقة، فأصبحت تقارنني به دائمًا وتهينني وتتحسر على زواجها مني وأنها لا تستطيع الافتخار بي أمام أهلها أو الناس أو حتى أمام نفسها.

خلقها معي سيئ جدًّا، وتوجه لي إهانات بالغة، رغم أني باعترافها أقدم لها ولأولادها كل ما يطلبونه، ولست مقصرا معهم في أي شيء، وأصبر على إهاناتها لي ولا أبادلها سبا بسب، ولا أضربها، بل أسعى في رضاها بكل السبل، لأني أريد الحفاظ على البيت وعلى الأولاد، ولا أريد لبيتي الخراب ولا لأولادي الضياع، لكنها تصر على التعالي عليًّ، وتعمل لي مشاكل مع أهلي ومع غيرهم.

ماذا أفعل معها، وكيف تنصلح هذه الزوجة دون كسرها بالطلاق وخراب البيت وضياع الأولاد؟

الإجابة 03/05/2026

مرحبًا بك أخي الفاضل، ولقد شرُفنا بتواصلك معنا، وأشكرك على ثقتك بنا. أسأل الله العلي القدير أن يبارك فيك وفي سعيك، وأن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويصلح لك زوجك، ويقر عينك بصلاح أبنائك، وأن يجعل صبرك في ميزان حسناتك، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وبعد...

 

فقبل أن نبدأ في الحديث عن مشكلتك أخي الفاضل، دعني لأحييك على رجولتك وصبرك. إن ما تفعله من كظم للغيظ وحرص على لمِّ الشمل والحفاظ على بيتك وأولادك، ليس ضعفًا، بل هو عين القوة والحكمة. إن البيوت لا تُبنى فقط بالشهادات المعلَّقة على الجدران، بل تُبنى بالأخلاق، والسكينة، والمودة التي يبدو أنك تبذل قصارى جهدك لتوفيرها.

 

كرامة العمل اليدوي في ميزان الشرع

 

إياك يا أخي أن تشعر أبدًا بالنقص لأنك «صنايعي». إن المهنة التي تكد فيها بيمينك لتعفَّ نفسك وأهلك هي مهنة شريفة باركها الله ورسوله.

 

يقول النبي ﷺ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» [رواه البخاري]. فداوود -عليه السلام- كان ملكًا ونبيًّا، ومع ذلك كان «صنايعيًّا» يصنع الدروع.

 

مقياس التفاضل عند الله:

 

كما أن الله -سبحانه وتعالى- لم يقل: «إن أكرمكم عند الله أعلاكم شهادات»، بل قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. فنجاحك في عملك وحُسن خلقك هما الشهادة الحقيقية التي تفتخر بها أمام الله والناس.

 

خطورة التعالي والازدراء في الحياة الزوجية

 

ما تفعله زوجتك -مع الأسف- يسمى في الشرع «الكِبر» وفي علم النفس «النرجسية الاجتماعية». وتقليلها من شأنك أمام الأبناء خطأ تربوي شنيع قبل أن يكون إهانة لك.

 

يقول النبي ﷺ: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» [رواه مسلم]. وتطاول الزوجة على زوجها وتعالِيها عليه هو نوع من «النشوز» الذي يفسد بركة البيت.

 

أما مقارنتها لك بزوج أختها فهي «سُمٌّ» يقتل الرضا. فكل إنسان ميسَّر لما خُلق له، ولو فتشَتْ زوجتك في حياة هؤلاء الذين تنظر إليهم وتقارنك بهم لوجدَتْ عندهم من المنغصات ما لا يعلمه إلا الله، ونبينا ﷺ يقول: «لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ» [متفق عليه].

 

خطوات عملية للإصلاح

 

لإصلاح هذه الزوجة دون كسرها بالطلاق، ودون خراب البيت وضياع الأولاد، تحتاج أخي الكريم إلى مزيج من الحزم الرحيم والذكاء الاجتماعي. وأقترح عليك الآتي:

 

1- المصارحة الحازمة:

 

اجلس معها جلسة هادئة بعيدًا عن الأطفال. وقل لها بوضوح: «أنا أحترم علمك وشهادتك، ولكن هذه الشهادة لم تعلمك أن كرامة زوجك من كرامتك؟». أخبرها أنك تصبر لا عن عجز؛ بل حبًّا لها ولأولادك منها، وأن هذا الصبر «له حدود». فالمرأة تحتاج أن تشعر بهيبة الرجل لتتوقف عن التجاوز في حقه.

 

2- التثقف وبناء الثقة المعرفية:

 

رغم أنك ناجح في حرفتك، فإن القراءة والاطلاع في أمور الدين والحياة تزيد من هيبتك في عينيها. فعندما تجدك قادرًا على محاورتها بعلم وفهم، وتجد معلوماتك صحيحة وموثَّقة، ستُجبر بصورة غير مباشرة على احترام عقلك. وكما قيل: «العلم يرفع بيتًا لا عماد له».

 

3- تحكيم طرف حكيم:

 

إذا استمرت في إهانتك، فلا بد من وقفة. اختر شخصًا عاقلًا من أهلها أو من أهلك، أو أي شخص تثق هي في رأيه، وتطمئن أنت لحكمته وعدله وحسن خلقه وعلمه، وليكن الحديث معه ليس شكوى؛ بل طلبًا للإصلاح. قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35].

 

4- الهجر الجميل:

 

أو ما نسميه الحرمان العاطفي المؤقت. فإذا تطاولت عليك فلا ترد السبَّ بالسبِّ، والإهانة بالإهانة، ولكن اهجُرها عاطفيًّا (هي فقط وليس الأولاد) بتجنب معاشرتها والحوار معها بعض الوقت، ولا تلبِّ لها إلا الطلبات الضرورية فقط، واجعل تعاملك معها رسميًّا وجافًّا، حتى تدرك قيمة العطاء والدلال والراحة التي توفرها لها، وأن هذه الأمور مهددة بالزوال بسبب لسانها وأسلوبها معك.

 

5- غرس القيم في الأبناء:

 

لا تسمح لها بتحقير مهنتك أمام أولادك. واجلس معهم وحدِّثهم عن قيمة العمل الشريف، وعن تعبك وجهدك لتبني لهم مستقبلهم. اجعلهم يفتخرون بك أمامها وأمام الناس، بمواقفك وأخلاقك، وثناء الناس عليك، فإذا رأتك محترمًا مقدرًا في أعين أولادها، وأنهم في صفك، فقد تستحي من تصرفاتها، وتظهر لك الاحترام مثلهم، حتى لا تخسرهم.

 

6- الدعاء لها بالهداية:

 

لا تغفل يا أخي عن القوة العظيمة التي يمتلكها المؤمن، وهي الدعاء؛ فقلوب العباد جميعًا بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبها كيف يشاء. فبدلاً من أن تمتلئ نفسك تجاهها بالحنق أو الضيق، اجعل لها نصيبًا من دعائك في السجود وفي ساعة الاستجابة.

 

استعن بدعاء عباد الرحمن الذي ذكره الله في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74].

 

وادعُ الله أن يثبت قلبها على الحق، ويصرف عنها نزغات الشيطان وكِبر النفس.

 

يُروى أن أحد الصالحين كان مبتلى بزوجة سيئة الخلق، فكان يطيل الصلاة والدعاء لها، فسُئل عن ذلك، فقال: «أكره أن أطلِّقها فيُبتلَى بها غيري، وأرجو أن يصلحها الله بدعائي فتكون قرة عين لي في الدنيا والآخرة».

 

إن الله -عز وجل- الذي أخرج من الحجر القاسي ماءً، قادر على أن يخرج من قلب زوجتك المودة والرحمة تجاهك، فاستمر في إحسانك لها مقرونًا بالدعاء الصادق، ولن يخيبك الله أبدًا.

 

وختامًا أخي الكريم، إن البيوت تُبنى على الصبر، وما من بيت إلا وفيه ابتلاء. إن زوجتك مفتونة بمظاهر الدنيا الزائفة، وهي تحتاج منك إلى حزم يعيدها إلى صوابها، ودعاء يرقق قلبها. تذكر أنك مأجور على كل لحظة ألم تكتمها لأجل أولادك، ولكن لا تجعل هذا الصبر يتحول إلى ضياع لهيبتك، فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.

 

اللهم يا مؤلف القلوب، ألِّف بين قلب السائل وقلب زوجته، اللهم أصلح لها شأنها، وبصِّرها بعيوبها، واصرف عنها الكبر والتعالي. اللهم اجعل بيته واحة للسكينة والمودة، واحفظ له أولاده وبارك له في رزقه الحلال، واجزه عن صبره خيرًا في الدنيا والآخرة. وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلِّم.

 

روابط ذات صلة:

قدراتي تفوق قدرات زوجي.. فهل الطلاق هو الحل؟

الرابط المختصر :