الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : التخطيط الدعوي
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
9 - رقم الاستشارة : 6143
17/10/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية أعمل في إحدى المؤسسات الدعوية، وألاحظ أن بعض الخلافات الفقهية بين الدعاة تتحول أحيانًا إلى صراعات شخصية، وتؤدي إلى التفرق والتحزب، وإضعاف العمل الدعوي، وتشويه صورة الدعاة في أعين الناس، وقد يصل الأمر إلى أن ينكر بعضهم على بعض في أمور لا تصل إلى درجة التحريم، مما يسبب إرباكًا لدى الناس، ويجعلهم في حيرة من أمرهم.
كيف يمكننا كدعاة أن نتعامل مع هذه الخلافات الفقهية بشكل يحافظ على الوحدة، ولا يؤدي إلى التفرق، وأن نضع ضوابط للتعامل مع هذه القضايا، بحيث لا تكون سببًا في إضعاف العمل الدعوي، وأن نكون قدوة حسنة في احترام الرأي الآخر، والتسامح، والتعاون على البر والتقوى؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم، حياك الله، وبارك في حرصك على وحدة الصف.
ثم إن ما ذكرته
هو من أهم القضايا التي تواجه العمل الدعوي المعاصر، وهي قضية الخلافات الفقهية
بين الدعاة، وكيفية التعامل معها، وكيفية منعها من أن تكون سببًا في التفرق
والضعف.
فالخلاف الفقهي
هو أمر واقع، ولا يمكن إنكاره، وهو من طبيعة البشر، وقد وقع بين الصحابة
والتابعين، واعتبره العلماء رحمة وسعة للأمة. ولكن المشكلة ليست في وجود الخلاف
نفسه، بل في طريقة التعامل معه، فإذا كان الخلاف في مسائل اجتهادية، ولم يكن من
الأمور القطعية، فينبغي ألا يكون سببًا في الفرقة والتباغض، بل يجب أن يكون مجالاً
للتسامح والتعاون، والتذكير بأن الأصل هو الوحدة، وأن الاختلاف في الرأي لا يفسد
للود قضية.
ضوابط الخلاف بين
الدعاة
فما هي الضوابط
التي يجب أن يلتزم بها الدعاة في هذا الشأن؟
أولاً: العلم
وعدم التعصب: يجب
على الداعية أن يكون عالمًا بأصول الفقه، وقواعد الاجتهاد، حتى يعرف مواضع الخلاف،
وأسبابها، ولا يتعصب لرأيه أو لمذهبه، بل يكون منصفًا، ويبحث عن الحق، ويقبل الرأي
الآخر إذا كان أقوى دليلاً، قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ
فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: 59).
ثانيًا: التفرقة
بين الثوابت والمتغيرات: يجب
التمييز بين الأمور الثابتة في الدين، التي لا تقبل الاجتهاد، مثل أركان الإسلام،
وأصول العقيدة، والمحرمات القطعية، وبين الأمور المتغيرة، التي تختلف باختلاف
الزمان والمكان، وتقبل الاجتهاد، مثل بعض المسائل المالية، والسياسية، والمعاملات،
ففي الثوابت لا خلاف، وفي المتغيرات تكون السعة والمرونة.
ثالثًا: حسن الظن
وحسن النية: يجب
أن يحسن الداعية الظن بأخيه الداعية، وأن يظن به الخير، وألا يظن أنه يخالفه إلا
عن اجتهاد، وألا يتهمه بالجهل أو الهوى، وأن يبني العلاقة على الثقة والمحبة. وقد
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن شرًا،
وأنت تجد لها في الخير محملاً". وهذا من تمام الإيمان وكمال المروءة.
رابعًا: التعاون
في المتفق عليه، والعذر في المختلف عليه: يجب
أن يكون التعاون بين الدعاة في الأمور التي يتفقون عليها، مثل الدعوة إلى الله،
والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ونشر العلم، أما الأمور التي يختلفون فيها،
فيجب أن يتعذروا لبعضهم، ولا يجعلوها سببًا للفرقة، وهذا هو المنهج الذي سار عليه
السلف، فقد كانوا يختلفون في كثير من المسائل الفقهية، ومع ذلك كانوا يتعاونون في
الدعوة إلى الله، ويحافظون على المودة والأخوة.
خامسًا: الحوار
الموضوعي: إذا
وقع خلاف، فيجب أن يكون الحوار موضوعيًّا، بعيدًا عن التجريح والشخصنة، وأن يهدف
إلى الوصول إلى الحق، لا إلى الانتصار للرأي، وأن يكون بالتي هي أحسن، قال تعالى: ﴿وَلَا
تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت: 46).
فالحوار هو وسيلة لإيضاح الحق، وليس لإقصاء المخالف.
سادسًا: عدم
إثارة الخلافات في غير مكانها: ينبغي
للداعية ألّا يثير الخلافات الفقهية في مجالس العامة، أو في مناسبات الدعوة العامة؛
لأن ذلك يسبب إرباكًا للناس، ويُضعف الثقة بالدعاة، بل يجب أن تكون هذه المناقشات
في مجالس أهل العلم والاختصاص.
نصائح للدعاة
لتجنب الخلاف
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
• تذكر أن أعداء
الإسلام يتربصون بكم، ويفرحون باختلافكم وتفرقكم، فكونوا صفًّا واحدًا، وتحدوا معًا،
ولا تدعوا للشيطان مجالاً للنفوذ إلى قلوبكم.
• احرص على أن
تكون العلاقة بينك وبين إخوانك الدعاة قائمة على المودة والاحترام، وليس على
التنافس والصراع، وتذكر أن الدعوة ليست ملكًا لأحد، بل هي رسالة من الله، يجب أن
تتعاونوا جميعًا على حملها.
• كلما ظهر خلاف
بينك وبين أخيك، فأسرع إلى الصلح، ولا تدع الشيطان يفرق بينكما، وتذكر قول النبي ﷺ:
«إِنَّ الشَّيْطَانَ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ رَضِيَ
بِالْمُحَارَبَةِ فِيمَا بَيْنَكُمْ» (رواه مسلم).
وأسأل الله
العظيم أن يؤلف بين قلوبنا، ويسدد خطانا، ويجعلنا من عباده الصالحين، إنه سميع
مجيب.
روابط ذات صلة:
كيف يتعامل الداعية مع الخلافات الحادة بين العاملين في المجال الدعوي؟
إدارة الخلاف داخل العمل الدعوي المؤسسي
كيف نتعامل مع الاختلافات الفقهية والدعوية دون تمزق الصف الدعوي؟