الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
11 - رقم الاستشارة : 5445
28/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا أُمّ لفتاة في السابعة عشرة من عمرها، نعيش في العاصمة. أتوجه إليكم بهذه الاستشارة لوجود أزمة تواصل وتربية حادة تعصف ببيتي؛ حيث ألاحظ حدوث تراجع مستمر في التزام ابنتي السلوكي والإيماني، ونفورها الشديد من الجلسات الأسرية والدروس الدينية التي أحرص على إقامتها في المنزل.
المشكلة تكمن في وجود "فجوة تواصلية ومعرفية هائلة" بين طريقة تفكيرنا كآباء وبين عقلية ابنتي؛ فهي تمتلك مهارات متقدمة جدًّا في تقنيات الذكاء الاصطناعي، والبرمجة الحديثة، وتتلقى معارفها من منصات عالمية مفتوحة، وتناقش قضايا كونية وفلسفية معقدة.
للأسف، نتعامل معها بأسلوب وعظي تكراري تقليدي يعتمد على الأوامر الجافة والتحذير المستمر من فتن الإنترنت دون فهم حقيقي لطبيعة اهتماماتها وموهبتها العلمية؛ وحين تحاول مناقشتنا بشبهة فكرية أو رأي قرأته، تُجابه بالصراخ والتجهيل والاتهام بضعف الإيمان، مما جعلها تعتزلنا تمامًا وتغلق باب غرفتها وهاتفها، وأصبحت أخشى عليها من السقوط في فخّ التفلّت التام بسبب عجزنا عن محاورتها واستيعاب ذكائها.
كيف يمكن للوالدين في عصر السيولة الرقمية ردم هذه الفجوة التواصلية؟ وكيف نوظف وسائل ومناهج الدعوة والتربية الحديثة لتبني الموهبة العلمية للأبناء وحمايتها إيمانيًّا دون كبت أو قهر؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكِ الله أيتها الأم الفاضلة والمربية الغيورة، وبارك الله
في صدق عاطفتكِ وحرصكِ على نجاة واستقامة ابنتكِ الموهوبة.
إنَّ هذا الهمّ
التربوي الذي تضعين يدكِ عليه بوعي وتجرد هو من أدق قضايا التربية المعاصرة،
واعلمي أن امتلاك ابنتكِ لعقلية برمجية ذكية وموهبة تقنية متقدمة ليس نقمة أو
علامة خطر، بل هو نعمة عظيمة وطاقة حضارية هائلة تحتاج فقط إلى "فقه استيعاب
وتوجيه رشيد" بدلاً من أساليب القمع والوعظ التكراري الجاف الذي يفسد أكثر
مما يصلح.
إنَّ المنهج
الإسلامي الرائد في التربية يرسخ بقوة أن "الخطاب التربوي يجب أن يتطور بتطور
مدارك وعقول الأبناء"، وأن الجهل بخصائص الموهوبين والذكاء الفردي يؤدي حتمًا
إلى نفورهم وضياع طاقاتهم؛ وتأملي كيف كان النبي ﷺ يخص المتميزين والأذكياء من
الشباب بألوان من الخطاب المعرفي العالي الذي يتناسب مع عبقريتهم؛ فحين رأى الذكاء
اللغوي السريع لدى زيد بن ثابت رضي الله عنه، لم يأمره بالجمود، بل وجهه مباشرة
لثغر تقني معرفي معاصر في وقته فقال له: «يَا زَيْدُ تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ
يَهُودَ...»..
وإن لجوء
الوالدين إلى الصراخ، والتجهيل، والاتهام بالشرك أو ضعف الإيمان عند صدور تساؤل
فكري أو شبهة عارضة من ابن ذكي يتنفس الفضاء الرقمي، هو مسلك ينافي الهدي النبوي
الحكيم، ويتحول الوالدان معه إلى "قطاع طريق" يصدون الأبناء عن الدين
بدفعهم للاعتقاد بأن الإسلام يتصادم مع العلم والذكاء، والله تعالى يأمرنا بالرفق
والحوار بالدليل والبرهان في قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ
صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111].
إن العلاج
المنهجي والتربوي العاجل يفرض على الوالدين أولاً الانتقال من مربع "المسيطر
والرقيب الجاف" إلى مربع "الصديق الموجه والمحاور المحفز"؛ فالفتاة
الموهوبة برمجيًّا تحتاج إلى إشعارها بالاحترام التام لعقلها وموهبتها، وأن نبيها
ودينها يحثان على التميز التقني والعلمي النافع للأمة؛ وحين تفتح الأم قلبها
وعقلها للاستماع الهادئ لشبهات ابنتها دون انفعال، وتناقشها بقواعد التفكير العلمي
السليم وتبين لها تهافت الأفكار المادية المعاصرة بالدليل والرفق، فإن الفتاة
ستسترد ثقتها بالبيئة الأسرية وتطمئن إلى أن حضن الدين هو الحصن الأرقى لعقلها
ونفسها.
ومن الناحية
الميدانية والتطبيقية داخل بيتكِ، نوصي بتفعيل الخطوات التالية:
أولاً: إعلان
"الهدنة التربوية الفورية" داخل المنزل، بوقف قاطع لأساليب الصراخ
والتفتيش والتجهيل، والبدء في بناء علاقة عاطفية دافئة قوامها الحب والتشجيع
والثناء على تميزها البرمجي.
ثانيًا: عقد
"جلسات صداقة ومسامرة أسبوعية" (خارج المنزل إن أمكن في نزهة أو مقهى
هادئ) تكون مخصصة للحديث في اهتمامات ابنتكِ التقنية، ومشاركتها شغفها، والإنصات
الواعي لتطلعاتها دون إقحام للوعظ التقليدي.
ثالثًا: تكليف
ابنتكِ بمشروع دعوي تقني مبدع يتناسب مع موهبتها؛ كطلب تصميم منصة أو برنامج رقمي
ميسر يخدم نشر قيم الخير أو يساعد كبار السن، وتقديم الدعم المالي والتشجيع لها؛
فإشراك الموهوبين في مشاريع عملية تنموية هو أعظم وسيلة لتثبيت إيمانهم وتوجيه
طاقاتهم لمرضاة الله سبحانه.
وأنصحك
ختامًا بما يأتي:
• عندما تطرح
ابنتكِ سؤالاً فكريًّا صعبًا لا تملكين إجابته، فلا تنفعلي؛ بل قولي لها بكل هدوء
وأمانة: "هذا سؤال ذكي جدًّا وعميق، دعينا نبحث عن إجابته العلمية معًا من
كتب العلماء الثقات"، فالمصداقية تبني الجسور.
• وفري لها بيئة
من الرفقة الصالحة من الفتيات المتميزات علميًّا وملتزمات دينيًّا، بالاستعانة
بالمراكز والمؤسسات الدعوية الراقية المعاصرة، فالرفقة الصالحة مرآة مصلحة ومثبتة.
• اجعلي من نفسكِ قدوة عملية في الهدوء، وسعة
الصدر، والورع، وحسن التعامل، فابنتكِ تقرأ سلوككِ وأخلاقكِ قبل أن تستمع لكلماتكِ
ونصائحكِ.
وأسأل الله
العظيم، رب العرش الكريم، أن يؤلف بين قلبكِ وقلب ابنتكِ، وأن يبارك في موهبتها
وذكائها ويجعله عونًا لها على طاعته ونصرة دينه، وأن يعصمها من الفتن ويجعلها قرة
عين لكِ في الدنيا والآخرة.
روابط ذات صلة:
كيف يوجّه الداعية أبناءه في زمن الانفتاح الرقمي؟
في زمن «الفتن الرقمية».. كيف أحمي أبنائي من الانحراف؟