لماذا المسنون أكثر ميلاً للتدين؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 10
  • رقم الاستشارة : 5230
01/07/2026

لماذا المسنون أكثر ميلاً إلى التدين؟ هل يمكن تفسير هذا الميل من ناحية علمية وفلسفية؟

الإجابة 01/07/2026

أخي الكريم، الإنسان كلما أحس باقتراب نهايته، فإن إدراكه للحياة يتغير، فيزيد انشغاله بإيجاد معنى للحياة التي أمضاها، وتتصاعد أسئلته الوجودية عن المصير ما بعد الموت، ويتراجع شغفه عن تحصيل المال ومتع الحياة، ويدرك طبيعة العلاقات التي أفنى فيها سنوات عمره وضحى فيها من أجل الأبناء الذين انشغلوا عنه بأنفسهم ومسؤولياتهم.

 

مشاهدات الحياة تؤكد أن المسنين هم الأكثر حرصًا على التدين، وأداء الصلوات في أوقاتها، فتراهم السباقين في الفجر، وفي العمل الخيري، وفي الإصلاح بين الناس، وهو أمر أكدته الدراسات العلمية في علم الاجتماع والنفس الخاص بالشيخوخة.

 

لماذا الميل للتدين؟

 

في عالم يزيد فيه أعداد كبار السن، تصبح الشيخوخة تحديًا إنسانيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا، تشير إحصاءات حديثة إلى أن هناك ما يقرب من (87) ألف دار رعاية للمسنين عالميًّا، وهذا الرقم هو أقل من عدد الدور الحقيقي الموجود عالميًّا، وفي أوروبا وحدها يوجد (56) ألف دار رعاية للمسنين تحتضنها سبع دول فقط من القارة البيضاء، ففي ألمانيا (13.5) ألف دار رعاية، وفي بريطانيا (10.8) ألف.

 

هذا التزايد الكبير لأعداد المسنين عالميًّا، وتزايد تجمعهم في أماكن رعاية بعيدًا عن دفء الأهل والأبناء، في مجتمعات من المسنين تتشابه معاناتهم وأوجاعهم، لوحظ ميل الكثير منهم نحو التدين، وطرح الأسئلة الوجودية والمصيرية التي كانوا غافلين عنها في سنوات الشباب والكهولة.

 

الإيمان هو السبيل لخلق الطمأنينة في نفس هؤلاء المسنين، والإيمان هو ما يخفف أوجاع الشيخوخة ويوجد دفئًا يسمح لهؤلاء المسنين أن يغمضوا أعينهم بطمأنينة ألا يداهمهم مرض عضال، أو موت منتظر.

 

في تقرير لمعهد "بيو" الأمريكي لأبحاث الدين، أظهر أن 48% ممن تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر يرتادون الكنيسة بانتظام، بينما تنخفض هذه النسبة إلى 27% فقط بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عامًا، وعند سؤالهم عن الأهمية الذاتية للدين، قال 65% من كبار السن إن الدين مهمٌ جدًّا بالنسبة لهم.

 

وهناك دراسة أمريكية نشرت عام 2019 بعنوان "الدين والروحانيات عند كبار السن" ذكرت أن 90% من كبار السن في الولايات المتحدة يعتبرون أنفسهم متدينين، كما أن غالبية كبار السن يلتزمون بالحضور إلى أماكن العبادة، ويشاركون في الشعائر الدينية، ويلعب الدين دورًا أساسيًّا في حياتهم، وأشارت الدراسة إلى أن تحسن الصحة الجسدية والعقلية لكبار السن يرتبط بالدين، فالتدين يؤدي إلى التعافي السريع للمسنين، بل أكدت الدراسة أن مفهوم الإعاقة نفسه يتغير حسب درجة التدين.

 

التأمل والمعنى

 

والسبب هو أن الدين يخلق إحساسًا بالمعنى والترابط في حياة الإنسان، ويزداد وضوحًا في مراحل العمر المتقدمة، ويشير بعض علماء النفس الاجتماعي إلى أن الدين يُسهم في تخفيف الخوف وعدم اليقين بشأن الموت لا سيما عندما يُقدم الدين وعدًا بالخلود، ومن ثم يُلبي الدين احتياجات نفسية في تلك المرحلة من العمر، وهو ما أكدته دراسة مسحية أوروبية قبل عدة سنوات، خلصت إلى أن "الناس في كل مكان يزدادون تدينًا مع تقدمهم في السن، ومن المرجح أن يصبح المرء أكثر تدينًا مع تقدمه في العمر".

 

ويرى البروفيسور الأمريكي المختص في علم النفس "لورانس تي. وايت" عند مقارنته ثقافات مختلفة في تفاعل المسنين مع التدين، أن هذا الأمر قد لا ينطبق على المسلمين؛ لأن التدين لا ينفصل عن حياتهم، ومن ثم قد تكون الشيخوخة لا تجعل المسلم أكثر تدينًا لأنه متدين بالفعل وحريص على أداء عباداته.

 

يشير بعض علماء النفس إلى أن الدين يتيح فرصة للتأمل، والتأمل يوقف تدهور القدرات العقلية مع تقدم العمر، وهو ما أكده "إدموند شيرمان" في كتابه "الشيخوخة التأملية" عن أهمية الأنشطة التأملية لمن تجاوز عمرهم الستين في وقف تدهور القدرات العقلية.

 

وختامًا أخي الكريم، يقول جلال الدين الرومي "ولعلَّ ثقبًا أصاب قلبك، جعله الله لك عينًا تُبصر بها الحقيقة"؛ فالشيخوخة وكبر السن يمنح الإنسان عينًا للإبصار أكثر حدة لرؤية الحقيقة الوجودية والمصيرية، والرؤية الإسلامية تمنح الشيخوخة طمأنينة، وتبشر المسنين بالرحمة التي تنتظرهم إذا أحسنوا التوبة والإنابة، ففي الحديث الذي رواه الإمامان الترمذي والنسائي، وصححه الشيخ الألباني، قال : "مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

 

موضوعات ذات صلة:

رعاية المسنين في الحضارة الإسلامية.. نموذج للرحمة

الشيخوخة لماذا يصر الإنسان المعاصر على مقاومتها؟

الشيخوخة وأزمة الفكر المادي

هل نحتاج إلى التأمل في حياتنا؟

لماذا تغييب قيمة التراحم في المجتمعات المادية؟

الرابط المختصر :