الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : وساوس وشكوك
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
21 - رقم الاستشارة : 5767
02/09/2026
قرأت مؤخرًا منشورًا لشخص يتساءل فيه: «إذا كان الله كاملًا، غنيًّا، وقادرًا، ولا يحتاج إلى أحد، فلماذا يخلق مليارات البشر ليعبدوه؟ ولماذا يطلب منهم مدحه والتسبيح بحمده ليلًا ونهارًا؟».
أرجو منكم بيان الحكمة الشرعية والعقلية في هذا الأمر، وكيف نبيِّن للمشككين أن أمر الله بالعبادة له والثناء عليه لا يتنافى مطلقًا مع كماله وغناه عن العالمين؟
مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك
بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله –تعالى- أن يفيض عليك من نوره، وأن يشرح صدرك،
ويثبِّت قلبك على الحق، وبعد...
فإن
السؤال الذي نقلته يمثل أحد أكبر الإشكالات الذهنية التي تنشأ لدى من يحكم على
الأفعال الإلهية وفق قوانين البشر وأفقهم المحدود. فالإنسان حين يجعل الطلب
مرتبطًا دائمًا بالاحتياج يقع في القياس الفاسد؛ إذ يقيس الخالق –سبحانه- بعجز
المخلوق ونقصه.
لا
قياس للخالق على المخلوق
الجذر
الأساسي للشبهة هو السقوط في وهم قياس الخالق على المخلوق. فالإنسان عندما يطلب من
الآخرين مدحه أو خدمته، يكون ذلك دليلًا على نقصٍ فيه: إما لرغبة في سد شعور
بالدونية، أو لحاجته إلى الشعور بالأهمية، أو للاستعانة بهم على شؤونه. وحين يُسقط
الفكر الإنساني هذه الطبيعة البشرية على الذات الإلهية، يتولد لديه السؤال: «لماذا
يطلب الله العبادة والثناء وهو غني؟».
الحقيقة
يا أخي، أن الله -سبحانه وتعالى- لا يُقاس بخلقه؛ فأوامره ونواهيه لا تنبع من
احتياج أبدًا، بل تنبع من الكمال والإحسان والحكمة.
منفعة
العبادة عائدة علينا لا على الله
إن
الله -عز وجل- لم يخلقنا ليستكثر بنا من قلة، ولا ليتعزز بنا من ذلة؛ حاشاه
سبحانه. فالعبادة هي المنهج الصحيح الذي تستقيم به حياة الإنسان روحيًّا وجسديًّا.
فالإنسان لا يملأ فراغ قلبه ولا يداوي قلقه الوجودي إلا الاتصال بمصدر وجوده. قال
الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ
وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]. وقال جل وعلا: ﴿مَّنْ عَمِلَ
صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: 46].
وقد
جاء في الحديث القدسي العظيم الذي يقطع كل شبهة في هذا الباب: «يَا عِبَادِي، لَوْ
أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى
قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا
عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا
عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا...
يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ
إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ
ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» [رواه مسلم].
إظهار
مقتضى أسماء الله وصفاته
من
أسماء الله الحسنى: الخالق، والرحمن، والرحيم، والغفور، والجواد. وهذه الصفات
والأسماء الكاملة تستدعي آثارًا ومظاهر؛ فالخالق يقتضي وجود مخلوقات، والرحيم
يقتضي وجود مرحومين، والغفور يقتضي وجود مستغفرين. فخَلْق البشر وإتاحة الفرصة لهم
ليعبدوه ويرتقوا في مراتب القرب منه هو من باب جوده وتفضله، ليُدخلهم جنته ويمتن
عليهم برحمته وفضله.
استحقاق
الله -عز وجل- للثناء
العقل
السليم يُقر بأن الكمال يُحمد لذاته. فإذا رأيت لوحة فنية فائقة الجمال، أو شهدت
إنجازًا علميًّا فائقًا، فإن عقلك يندفع فورًا بالثناء والتقدير للمبدع، دون أن
يكون المبدع محتاجًا لثنائك. فكيف بالكمال المطلق الذي أوجد كل جمال ونظام في هذا
الكون؟
إن
الله –جل وعلا- يستحق الحمد والتسبيح لكونه الله، لاتِّصافه –سبحانه- بأعلى صفات
الكمال والجمال، بصرف النظر عن خلق العباد أو عبادته. فالتسبيح والتمجيد والثناء
هو إقرار العقل بالواقع الحقيقي للكون، وأن الله هو العظيم الكامل.
فالكون
كله يسبح بحمد خالقه وفق قوانين التسخير: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ
وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44].
وعندما
يسبح الإنسان، فإنه ينضم إلى هذه الملحمة الكونية الشاملة، ولا يشذ عن الفطرة التي
بُني عليها الوجود.
تخيَّل
طبيبًا عبقريًّا اكتشف علاجًا لمرض فتاك، وأنشأ مستشفى مجهزًا بالكامل، ثم أرسل
دعوة للمرضى قائلًا: «تعالوا والتزموا بالتعليمات والدواء لتشفوا، وأشيدوا
بالمستشفى ليسمع غيركم ليأتي فيبرأ». هل يُقال هنا إن الطبيب محتاج للمرضى أو مريض
بالغرور؟ بالطبع لا! فالتزام المرضى وثناؤهم لا يزيد في حقيقة علمه وفضله، بل هو
النفع المحض للمريض نفسه ولمن خلفه من الناس.
فعبادة
الله هي شرف للعبد. فالعبد حين يسجد لله لا يرفع من شأن الله، بل يرفع رأسه هو من
الاستعباد للشهوات والمخلوقات.
اقتراحات
للتعامل مع أصحاب هذه الشبهات
إذا
أردتَ مناقشة من يطرح هذه الأسئلة، فأقترح عليك الخطوات التالية:
1- تصحيح المنطلق: لا تبدأ بالدفاع؛ بل اسأله: «ما
مفهومك عن الله؟»؛ ثم بيِّن له أن فرض صفات النقص البشرية (كالاحتياج والغرور) على
الله هو خطأ منطقي، فالله غني مطلقًا.
2- تصحيح السؤال: اشرح له أن السؤال الصحيح ليس:
«لماذا يطلب الله العبادة لنفسه؟»، بل: «ما الذي أعده الله للإنسان من خلال
العبادة؟»، فالعبادة هي الوقود الروحي الذي يمنح الإنسان طمأنينة النفس وغاية
الوجود.
3- المقارنة الكاشفة: قارن بين مجتمع
يعبد الله ويمجده، يقوم على الأخلاق، والمسؤولية أمام الخالق، ومجتمع آخر ينكر
العبادة، يتحول فيه الإنسان إلى آلة استهلاكية لا غاية لها إلا المادة والشهوة.
4- التدرج في الخطاب: ابدأ مع المشكك بالمسلمات العقلية (وجود
الخالق، وكماله، وعظمته، وغناه) قبل الخوض في تفاصيل التشريعات. فالعبادة ثمرة
منطقية لمعرفة الخالق العظيم.
وختامًا
أخي الكريم، إن الله -عز وجل- غني عن العالمين، وعباداتنا لا تزيد في ملكه شيئًا،
وتقصيرنا لا ينقص من سلطانه شيئًا. أمرنا بعبادته والثناء عليه رحمةً بنا، ليربطنا
بكماله وجلاله، فنحيا حياة طيبة في الدنيا، وننعم بقربه في الآخرة.
أسأل
الله –تعالى- أن يرزقنا وإياك العلم النافع، والفهم الصائب، وأن يجعلنا من الهداة
المهتدين، غير الضالين ولا المضلين، والحمد لله رب العالمين.
روابط
ذات صلة:
أريد نماذج للإجابة عن أسئلة طفلي الإيمانية
كيف يمتلك الداعية منهجية حوارية لاستنقاذ الشباب من الشكوك؟