لماذا يدين المجتمع المطلقة؟ (2)

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
  • القسم : الطلاق وتبعاته
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 11
  • رقم الاستشارة : 6127
14/10/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته دكتورة أنا امرأة عشت تجربة زواج استمرت 22 عامًا صبرت خلالها كثيرًا وحاولت بكل ما أملك الحفاظ على بيتي وأسرتي ولم أتخذ قرار الانفصال بسبب خلاف عابر أو رغبة في هدم أسرتي بل بعد سنوات من المعاناة ومحاولات الإصلاح حتى شعرت أن الاستمرار أصبح مؤذيًا لي ولأبنائي والله لو كان هناك مجال لمزيد من الصبر لصبرت لكنني وصلت إلى مرحلة شعرت فيها أنني استنفدت كل ما أستطيع فعله.

 بعد الطلاق بدأت أفكر في أمر يؤلمني كثيرًا وهو نظرة المجتمع إلى المطلقة ولماذا تختلف عن نظرته إلى الأرملة أحيانًا أتخيل امرأتين عاشتا اثنين وعشرين عامًا مع زوجيهما إحداهما عاشت حياة زوجية هانئة ومستقرة ثم توفي زوجها والأخرى عاشت سنوات من المعاناة والإهانة وكانت تحاول الإصلاح وتدعو الله أن يصلح زوجها ويحفظ أسرتها وتضحي بأشياء كثيرة على أمل أن تتحسن حياتها حتى وصلت إلى مرحلة لم تعد تستطيع فيها الاستمرار فاختارت الطلاق.

 أنا لا أقارن بين المرأتين من باب الحسد ولا أقلل من وجع الأرملة وفقدها لزوجها فهي تستحق كل الرحمة والمساندة لكنني أتساءل عن حال المرأة الثانية التي عانت سنوات طويلة داخل زواجها ثم وجدت نفسها بعد الطلاق أمام معاناة أخرى وهي نظرة المجتمع فالأرملة غالبًا ما تجد من يسأل عنها وعن أبنائها واحتياجاتهم ويواسيها ويعاملها برفق بينما قد تجد المطلقة من يلومها ويسألها لماذا لم تصبر أو يتعامل معها وكأنها هي التي هدمت بيتها مع أن أحدًا لا يعرف حقيقة ما عاشته ولا كم حاولت أن تصلح وتحافظ على أسرتها.

 وما يزيد ألمي أنني أشعر أحيانًا بأن مجرد كوني مطلقة يجعلني موضع أحكام مسبقة حتى في بعض التعاملات اليومية وكأن هذه الكلمة تختصر أخلاقي وديني وتاريخ حياتي كله وكأن عليّ أن أبرر نفسي لكل من لا يعرف عني شيئًا.

ثم إن معاناة المطلقة لا تتوقف عند نظرة المجتمع فهناك أبناء يحتاجون إلى الرعاية والنفقة والاهتمام وقد تجد الأم نفسها وحدها في مواجهة الأعباء رغم أن الناس يرددون أن لهم أبًا مسؤولًا عنهم لكن ماذا لو كان الأب مقصرًا في مسؤولياته؟ ولماذا لا يُنظر إلى احتياجات الأبناء بدلًا من الاكتفاء بلوم الأم؟

وأحيانًا أشعر أنني محاصرة بين أمرين إن تحدثت عما عشته قيل إنني أفشي أسرار بيتي وأسيء إلى طليقي وإن صمتُّ تركت الآخرين يحكمون عليّ دون أن يعرفوا الحقيقة أنا لا أريد أن أظلم رجلًا ولا أطلب أن يصدق الناس كل امرأة دون تفكير ولا أريد أن أقلل من حق الأرملة في التعاطف لكنني أتمنى أن نفهم أن وراء كل حالة اجتماعية قصة مختلفة وأن المطلقة ليست بالضرورة امرأة فشلت في الحفاظ على بيتها فقد تكون امرأة صبرت طويلًا وحاولت كثيرًا حتى لم يعد أمامها خيار تستطيع احتماله.

سؤالي لكِ يا دكتورة لماذا يتعاطف المجتمع مع الأرملة ويقدّر صبرها بينما قد يقسو على المطلقة ويشكك في أسباب انفصالها رغم أن كلتيهما مرت بتجربة فقد صعبة وأن بعض المطلقات لم يصلن إلى قرار الانفصال إلا بعد سنوات طويلة من المعاناة ومحاولات الإصلاح؟

وكيف يمكن أن نجعل نظرتنا إلى المطلقة أكثر عدلًا ورحمة فلا نحكم على أخلاقها أو دينها من حالتها الاجتماعية ولا نحمّلها وحدها مسؤولية الانفصال وأعباء الأبناء بل ننظر إلى ظروفها واحتياجاتها وما عاشته فعلًا؟

الإجابة 14/10/2026

أختي الكريمة، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك مرة أخرى في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.

 

تحدثت معك في الجزء الأول من هذه الاستشارة والتي جاءت بعنوان لماذا يدين المجتمع المرأة المطلقة؟ عن أن المجتمع طبقات وتوجهات متعددة؛ لذلك لا أريدك أن تعممي فكرة أن المجتمع كله يدين المطلقة وأن هذا القطاع الذي يدين ويحكم على المطلقة تتحكم فيه نظرة عوراء جاهلة، وتحدثنا أيضًا عن تشريع الطلاق كتشريع مقصده الرحمة حين تستحيل الحياة الزوجية وتغيب عنها المودة والرحمة.

 

في هذا الجزء أريد أن أجيبك في البداية عن سؤال قمت بتكراره كثيرًا في رسالتك ألا وهو لماذا يتعاطف المجتمع مع الأرملة ولا يتعاطف مع المطلقة رغم أن تجربتها كثيرًا ما تكون أكثر مرارة وقسوة؟ أعلم أنك لا تقللين من ألم الأرملة، ولكنك تستخدمين المنهج المقارن لفهم كيف يفكر المجتمع؟ وكيف يقيم؟ وأين معايير العدالة في أحكامه؟

 

لا تنتظري إنصاف المجتمع

 

أختي الغالية، كما ذكرت لك في رسالتي السابقة هذا الجزء من المجتمع الذي تتحدثين عنه صاحب النظرة العوراء والعقل الصدئ الجاهل يحمل أفكارًا بالية متعفنة لا يمكن محاكمتها للعقل والمنطق ولا يمكن محاكمتها للفطرة والضمير الإنساني الذي يقتضي ألا نحكم على إنسان لا نعرف عنه شيئًا...

 

أفراد هذا المجتمع لا يتغيرون إلا إذا اقتحمت النار بيوتهم عندما تطلق ابنة لهم أو أخت بعد حياة بائسة وقتها يتنبهون وبعضهم لا يتنبه فيقوم بإدانة أقرب الناس إليه ولا يتفهم، فماذا نفعل لهم وقد انتزعت الرحمة من قلوبهم، فعندما (قبَّل النَّبِيُّ ﷺ الْحسنَ بنَ عَليٍّ رضي اللَّه عنهما، وَعِنْدَهُ الأَقْرعُ بْنُ حَابِسٍ، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشرةً مِنَ الْولَدِ مَا قَبَّلتُ مِنْهُمْ أَحدًا، فنَظَر إِلَيْهِ رسولُ اللَّه ﷺ فقَالَ: مَن لا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ) هذه النظرة التي نظرها النبي ﷺ لهذا الرجل أكبر تعبير يمثل هذه النوعية من الناس التي تفتقر قلوبهم للرحمة والتي لا نملك أن نغير بنية هذه القلوب أو كما قال لهم النبي في حديث آخر (أَوَ أَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّه نَزعَ مِنْ قُلُوبِكُم الرَّحمَةَ).

 

فإذا كان الأمر كذلك فهل نشغل عقولنا وقلوبنا بهذا القطاع من المجتمع.. نحن عندما ننشغل به نمنحه الحق في الحكم علينا وإخضاعنا لقوانينه وقواعده الظالمة.. وإذا انتظرنا أن يتم إنصافنا والتعامل معنا بعدالة فسوف ننتظر طويلاً جدًّا وأثناء هذا الانتظار سوف نعاني كثيرًا من معاناة مضاعفة.. معاناة التجربة المؤلمة التي عشناها ومعاناة ترقب الحكم الذي يصدره علينا هذا القطاع من المجتمع ثم محاولة استئنافه ونقده.. بينما تجاهله والاستعلاء عليه يفقده الوقود الذي يمده بالحياة والقدرة على الاستمرارية.

 

كيف تنهضين بحياتك بعد الطلاق؟

 

أختي الكريمة، كل كلمات رسالتك مشبعة بالألم.. الألم مما حدث في الماضي ولم تستطع كل جهودك أن توقفه وتصلحه والألم مما حدث في الحاضر بعد أن وجدت نفسك متهمة عليك أن تدافعي عن نفسك وتشرحي أسباب طلاقك، فإذا ما تحدثت تم اتهامك مرة أخرى أنك تكشفين أسرار حياتك وتشوهين والد أبنائك والخوف من المستقبل.. خائفة على أبنائك.. خائفة أنك لا تستطيعين تلبية ما يحتاجون إليه.. خائفة من وصم أبناء الطلاق.. خائفة على بناتك أن يتم الحكم عليهن دون ذنب أو جريرة بأنهن لا يعرفن حياة الاستقرار.

 

وكل هذه المشاعر التي تشعرين بها سواء كانت مشاعر حزن أو ألم أو مشاعر خوف هي مشاعر مشروعة تمامًا.. إن أردت أن تكتبي لي عن مشاعرك هذه فلا تترددي فأنت بحاجة لتفريغ انفعالي.. وإن أردت أن تخصصي دفترًا تكتبين فيه كل مساء فافعلي.. وإن أردت أن تسجلي رسائل صوتية فافعلي.. المهم أن يكون هناك وقت محدد يتم فيه ذلك وليس اجترارا دائما يلتهم وقتك وحياتك.

 

تدربي على الاستعلاء على العقول الصدئة الجاهلة: أقصد الاستعلاء النفسي دون كلمات قاسية أو نظرات حادة.. يكفي أن تقولي في نفسك مساكين لا يفقهون لن أنشغل بهم وتلتفتي لحياتك، فإذا ألح عقلك على التفكير فيهم تحدثي إلى عقلك وقولي نعم ما زالوا يؤلمونني، ولكنني أعمل على علاج ذلك، ذكري نفسك بقول الله عز وجل {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.

 

استبدلي دوائر علاقاتك: ذكرت لك في الجزء الأول من هذه الاستشارة أن المجتمع ليس كل كتلة واحدة، فإن كان هناك قطاع لا بأس به لا يزال يعيش في ظلمات الجهل فإن هناك قطاعات أخرى أكثر فهمًا واستنارة وتدينًا تتفهم ما يحدث ولا تسارع بإلقاء الاتهامات أو الأحكام جزافًا، وأنت بحاجة أن تحيطي نفسك بهذه الدوائر حتى لو صديقة واحدة متفهمة تستطيعين البوح معها؛ فالإنسان كائن اجتماعي وكلما أصبح لديك دائرة اجتماعية أقوى تعافيت أسرع واستطعت أن تكوني أكثر قوة وصمودًا.. يسر الله أمرك وأسعد قلبك وسعيدة جدًّا بالتواصل معك فلا تترددي في الكتابة لنا مرة أخرى.

 

روابط ذات صلة:

لماذا يحمّل المجتمع المرأة المطلقة مسئولية الأبناء؟

كيف نحتوي المطلقات والأرامل داخل البيئة الدعوية النسائية؟

من أجل المجتمع.. تبحث عن لقب «مطلقة»!!

التعليقات

الرابط المختصر :