الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
10 - رقم الاستشارة : 5419
27/07/2026
السلام عليكم، عندي سؤال، أنا عمري 17 سنه أحيانا أحس تفكيري أكبر من عمري وأصدم نفسي، لكن تصرفاتي عكس تفكيري تماما، أنا ممكن أسوي شي وأنا عارفه إنه غلط مية بالمية، بس ذا شي يحبطني مرة يعني لو تصرفاتي تماثل تفكيري أحسني بقدر أحقق أشياء كثيرة، فهل ممكن الجزء المسؤول عن التفكير فالدماغ يكون ناضج والجزء المسؤول عن التصرفات يكون غير مكتمل؟
الابن الكريم، في البداية حياكم الله بالخير والبركات، سؤالكم يكشف عن مشكلة تواجه
الإنسان في مقتبل عمره، حيث يلحظ من نفسه فجوة بين أفكاره التي يقتنع ويؤمن بها،
وبين سلوكه وأفعاله، التي قد يخالفها أو يتناقض معها في بعض الأحيان، فيشعر أن
عقله وروحه تحلق في السماء، أما أقدامه فمغروسة في طين الأرض، وفي هذه الحالة يلوم
نفسه لومًا شديدًا ويشعر بالإحباط، وربما اتهم نفسه اتهامات قاسية.
لكن الحقيقة أن
الإنسان في سن النضج والمراهقة يكون أكثر شفافية وتأثرًا بأفكاره وتحمسًا لها، لكن
تنزيل تلك الأفكار والمعتقدات إلى سلوك جيد ومستمر يحتاج إلى زمن وتدريب متواصل
وعدم يأس من تعويد
النفس على السلوك القويم، فهناك فجوة بين اقتناع الإنسان بخلق مثل الأمانة أو
الصدق، وبين التخلق به، فالتخلق يحتاج إلى قت وتدريب.
معرفة الصواب والالتزام به
الابن الكريم، الفجوة بين الحكم الأخلاقي والسلوك يمكن أن نشبهها بالفرق بين
معرفة الصواب الأخلاقي والتصرف بناءً عليه، وفي مرحلة المراهقة، أي في مثل
عمركم، تظهر هذه الفجوة بوضوح عندما يُصدر الشاب الصغير حكمًا أخلاقيًّا ثم لا يستطيع أن يلتزم به، لأسباب متعددة قد ترجع
إلى ضغط الغريزة على قراراته وتصرفاته، أو قلة التجربة، أو حالة المثالية التي
يعيشها الشباب والتي لا تعرف أنصاف الحلول، وإنما تنظر إلى الأمور من خلال الكمال
التام، كذلك ضغط الأصدقاء والأقران الذين قد يمارسون ضغوطهم فيسير الشاب مع بعض
أخطائهم التي لا يرضى عنها مدفوعًا بالتفكير بالعقل الجماعي حتى لا يتعرض للنقد أو
النبذ.
الابن الكريم، لا تنزعج من نفسك بسبب تلك الفجوة بين أفكارك وسلوكك وتصرفاتك في بعض الأحيان؛ لأن تلك الفترة من عمرك
هي الفترة التي تشكل شخصية الإنسان وهويته، وهي سنوات تجمع بين النجاح والإخفاق
وبين الشفافية والمثالية وبين ارتكاب الأخطاء وبين الأحلام وصدمات الواقع.
الابن الكريم، هذه الفجوة بين الأخلاق والأفكار والسلوك في تلك الفترة من عمر الإنسان لا
تعني أنك تفتقر إلى الأخلاق، أو أنك إنسان ذو وجهين أو منافق، ولكن تعني أن عقلك
وميزان القيم داخلك قادر على التمييز بين الخير والشر وبين الصواب والخطأ وبين
الفضيلة والرذيلة، أي أنك تمتلك منطقًا أخلاقيًّا تستطيع أن تحكم به على
الأمور، لكن ما ينقصك هو امتلاك الآليات والقدرة على ضبط النفس وفق
منظومة القيم داخلك، حتى يتضاءل الفارق بين ما تؤمن به وما تفعله.
كيف أتجاوز فجوة التناقض بين أفكاري وقيمي، وبين
سلوكي وأفعالي؟
الابن الكريم، تجاوز الفجوة بين الأفكار والقيم وبين السلوك الأفعال، تبدأ من إصلاح
تصوراتك عن حقيقة تلك الفجوة ومدتها، فهي أمر طبيعي يحدث للغالبية العظمى من
الشباب الصغير، وإصلاح هذا التصور يجعلك تتعامل مع أخطائك بلا ضغط نفسي مؤلم، يقول
الإمام الجنيد، وهو من أعلام التصوف المعتدل، يقول: "لا تيأس من نفسك وأنت
تشفق من ذنبك وتندم عليه بعد فعلك".
- اختيار الأصدقاء: لأن الصديق هو عنوان
الشخص والمعين له على الأفعال سواء أكانت جيدة أو غير ذلك، ولذا فاختيار الصديق
الصالح والواعي يسهل عليك الالتزام بالقيم وتضييق الفجوة التي تعاني منها، وفي
الحديث الشريف الذي رواه أبو داوود، قال ﷺ: "الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ،
فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ"، ومن صفات الصديق التي تحدث
عنها الإمام "الماوردي" (المتوفى:450هـ) "أن يكون محمودَ
الأخلاق مَرْضِيَّ الأفعال، مُؤْثِرًا للخير آمِرًا به، كارهًا للشرِّ ناهيًا عنه،
فإنَّ مودَّة الشِّرير تكسب الأعداء وتفسد الأخلاق، ولا خير في مودَّةٍ تجلب عداوة
وتورث مَذَمَّة، فإنَّ المتبوعَ تابعُ صاحبِه".
- علو الهمة: أن تكون ذا همة عالية، لا
تيأس إذا وقعت في خطأ، ولا تُحبط إذا فشلت مرة، ولكن أن يكون هدفك واضحًا وهو
إصلاح نفسك، وفي طريق الإصلاح قد تتعثر، لكن لا بد أن تمتلك الهمة لإنجاز
هدفك، قال "ممشاد الدينوري" وهو أحد أعلام الفقه والتصوف السني في
القرن الثالث الهجري: "همَّتك فاحفظها، فإنَّ الهمَّة مقدمة الأشياء، فمن
صلحت له همَّته وصدق فيها صلح له ما وراء ذلك من الأعمال".
موضوعات
ذات صلة:
ما أسباب زيادة الأفكار الانتحارية للشباب؟
الرقمية هل رسخت المادية بين الشباب؟
لماذا يلجأ الشباب للتفكير التبريري؟