ما السبيل للثبات أمام الفتن والتخلص من استثقال العبادة؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الفتور والضعف
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 31
  • رقم الاستشارة : 5421
28/07/2026

أنا شاب عندي 23 سنة، مطحون بين الشغل والدراسة، وفي نفس الوقت بحاول بكل جهدي أمشي صح وألتزم بديني وفرائضي.

بس بصراحة، مع ضغط اليوم والفتن اللي محاوطانا من كل حتة، بحس أوقات بتقل وضيق شديد وأنا بطبق بعض الأوامر والحدود؛ زي غض البصر، أو الالتزام بالصلاة في وقتها، أو إني أبعد عن الشبهات والمغريات المالية اللي حواليا.

الإحساس ده مخبيه جوة قلبي ومكسوف جدًا من ربنا إني أحسه، وبضغط على نفسي بالعافية عشان ألتزم ظاهريًا وخلاص. بس المرعب بالنسبة لي: خايف يكون الضيق الداخلي ده نوع من الاعتراض الخفي على شرع ربنا، أو إني أكون منافق وأنا مش حاسس!

إزاي أداوي قلبي وأبقى بانفذ كلام ربنا وأنا مرتاح ومسلّم له تمامًا من غير تردد ولا ضيق؟

الإجابة 28/07/2026

مرحبًا بك يا بني، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يشرح صدرك، وأن يثبتك على الحق حتى تلقاه، وأن يرفع عنك هذا الثقل، ويُبدلك به حلاوةً في الإيمان، ولذةً في الطاعة، وسكينةً في الروح، وأن يفتح لك أبواب الخير والرزق الحلال، ويجعلك من عباده المقربين المعصومين من الفتن، وبعد...

 

فأول ما أريد أن أبدأ به حديثي معك يا بني، هو التأـكيد على أن خوفك من النفاق، وحياءك من الله تعالى، لهو أكبر دليل على صدق إيمانك وحياة قلبك. فالمنافق الحقيقي لا يقلقه الرياء، ولا يصارع نفسه لترك الحرام، بل يرتاح في المعصية ويستثقل الدين كليًّا. أما أنت، فتصارع وتجاهد، وهذا الصراع هو عين الإيمان.

 

الفرق بين المجاهدة والاعتراض

 

النفس البشرية بطبعها تميل إلى الراحة، وتتطلع إلى الشهوات، وتحب الإطلاق لا التقييد. فحين تأتي الأوامر الشرعية بغض البصر، أو الصلاة في وقتها رغم التعب، أو الترفع عن المال المشتبه فيه؛ فإنك تُكره نفسك على عكس هواها. وهذا الثقل الذي تشعر به هو مقاومة النفس الأمارة بالسوء، وليس اعتراضًا على حكم الله.

 

وعلى سبيل المثال، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]. فتأمل كيف أثبت الله –تعالى- أن الصحابة الكرام -وهم أفضل الناس- كانوا يكرهون القتال لما فيه من المشقة والتعرض لخطر الموت والإصابات، ولم يُعدُّ ذلك منهم اعتراضًا على الشرع ولا نفاقًا!

 

وجاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: إنَّا نجد في أنفسنا ما يعظم أحدنا أن يتكلم به؟ (أي من الوساوس واستثقال العيادة والأفكار التي يستحي الإنسان منها)، فقال لهم الحبيب المصطفى ﷺ: «أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟» قالوا: نعم، قال: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» [رواه مسلم]. ومعنى «صَرِيحُ الْإِيمَانِ» أي: إن استعظامكم لهذا الشعور وخوفكم منه ومجاهدتكم له، هو الإيمان الخالص الصريح.

 

إرهاق الجسد ينعكس على الروح

 

ولدي الغالي، أنت شاب «مطحون» -كما وصفت- بين الدراسة والعمل، وهذا الإجهاد البدني والنفسي المستمر يستهلك أيضًا طاقتك النفسية والروحية؛ فالإنسان عندما يكون مجهدًا بدنيًّا، يصبح ضبط النفس لديه أصعب، وتتضاعف مشقة الطاعات عليه. فالمشكلة هنا ليست ضعفًا في العقيدة، بل هي تعب جسدي انعكس على شعورك أثناء أداء العبادة.

 

ولا تظن -يا بني- أن الصالحين والأولياء كانت الطاعة عليهم سهلة سلسة من اليوم الأول، بل مروا بما تمر به الآن حتى ذاقوا حلاوة الوصول. يقال أحد السلف معبرًا عن مشوار المجاهدة: «كابدت الصلاة عشرين سنة، وتلذذت بها عشرين سنة»؛ عشرون عامًا وهو يجر نفسه جَرًّا إلى الصلاة ويجاهد ثقلها، حتى فتح الله عليه باب اللذة والراحة بها!

 

وقال غيره: «ما عالجت شيئًا أشد عليَّ من نيتي؛ إنها تتقلب عليَّ»، فإذا كان أئمة السلف الصالح يجدون المشقة في ضبط القلب والنية، فكيف بشاب في مقتبل العمر يعيش وسط فتن هذا الزمان؟

 

خطة عملية للوصول إلى الانشراح بالعبادة

 

1- من «التكليف» إلى «التشريف»: لا تنظر إلى الأوامر والنواهي على أنها قيود تحرمك من المتعة، بل انظر إليها على أنها محطات صيانة للروح والجسد، ميزك الله بها وشرَّفك لتقف بين يديه وتقترب منه، ويصونك عن الفتن، ويعينك على تعب الدنيا. فغض البصر ليس حرمانًا، بل هو حماية لقلبك من التشتت، والبعد عن الشبهات المالية ليس تضييقًا، بل هو حماية لبركة رزقك وجسدك من النار.

 

استحضر قول الله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 147]. فالله لا يريد تعذيبك ولا إرهاقك، بل يريد تزكيتك.

 

وحين ينادي المنادي للصلاة، لا تقل في نفسك: «عَلَيَّ صلاة يجب أن أنهيها لأستريح»، بل قل: «سأذهب لأستريح من طحن العمل والدراسة بين يدي الله». وقد كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر أو أرهقته الدنيا قال: «أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ» يقصد الصلاة [رواه أبو داود]. فاطلب الراحة «في الصلاة» لا «من الصلاة».

 

2- القليل الدائم والخفيف اللازم: لا تُحَمِّل نفسك فوق طاقتها في النوافل وأنت مجهد. ركز على الفرائض بقلب حاضر، وأضف إليها أعمالًا خفيفة، مثل أذكار الصباح والمساء والأحوال، والاستغفار الصادق، وسماع القرآن أثناء تنقلك بين العمل والدراسة، فالقرآن ربيع القلوب وشفاء لما في الصدور، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82].

 

3- إعطاء الجسد حقه من الراحة: إن جدولك بين الدراسة والعمل يحتاج تنظيمًا. فالنوم الكافي، والغذاء الطيب، وفترات الترويح المباح عن النفس ليست رفاهية؛ بل هي من الدين، والنبي ﷺ قال: «وَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» [رواه البخاري]. إن الجسد المنهك يولد ذهنًا مغمومًا ونفسًا ضيقة.

 

4- الصحبة الصالحة: ابحث عن صديق صالح أو بيئة إيمانية تعينك. فوجودك مع من يشاركونك نفس الهمم والقيَم يقلل من الشعور بالغربة ويخفف وطأة الفتن، يقول الله عز وجل: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. وقال ﷺ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَليلِه؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخالِلْ» [رواه أبو داود].

 

وختامًا يا بني، إن طريق الجنة حُفَّ بالمكاره، كما قال النبي ﷺ: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» [رواه مسلم]. فهذا الضيق الذي تجده هو طريقك للعبور فوق جسر المكاره نحو الجنة. والله -عز وجل- يرى تعبك، ويراك وأنت تغض بصرك عن الحرام حياءً منه، ويراك وأنت تقوم للصلاة رغم ضغط العمل، وهو –سبحانه- لا يضيع أجر من أحسن عملًا. فلا تجعل الشيطان يخدعك بأنك منافق، بل أنت مؤمن تصابر وتجاهد، وألمك في ذلك دليل حرصك على رضا ربك.

 

اللهم يا مقلب القلوب والأبصار، ثبت قلب عبدك الشاب هذا على دينك. اللهم اشرح صدره، ويسِّر أمره. اللهم باعد بينه وبين المعاصي والفتن كما باعدت بين المشرق والمغرب، وحبِّب إليه الإيمان وزيِّنه في قلبه، وكرِّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، واجعله من الراشدين. اللهم ارزقه من حظوظ الدنيا والآخرة ما تقر به عينه، وبارك له في شبابه، وعمله، ودراسته، واجعل عمله خالصًا لوجهك الكريم، ولا تجعل للشيطان في قلبه نصيبًا ولا حظًّا، وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

كيف أُربي نفسي على الثبات في زمن التناقضات؟

ذنوب الخلوات.. خطوات عملية للإقلاع والثبات

الصلاة والقرآن والتلفزيون.. 7 خطوات نحو الثبات

الرابط المختصر :