الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
416 - رقم الاستشارة : 3448
30/11/2025
الإعلام دوره مؤثر في حياتنا المعاصرة وقادر على تزيين الباطل، وسؤالي كيف لعب الإعلام دورًا في التطبيع مع الشذوذ خاصة في المجتمعات الغربية؟ هل أصبح الناس يرون الشذوذ حقًّا لا جريمة أخلاقية؟
أخي الكريم، في تصوري سؤالكم لا يتعلق بالحديث عن تجربة ماضية في دور الإعلام في التطبيع مع رذيلة الشذوذ والذي استغرق قرابة الستين عامًا حتى صار لتلك الرذيلة من يؤيدها ويدافع عنها ويعتبرها حقًّا.. ولكن سؤالكم يناقش قضية ممتدة وهي مسألة كيفية التطبيع مع الرذيلة والتجاوزات الأخلاقية، وتحويلها إلى سلوك مقبول اجتماعيًّا، لا يُقابل بالرفض والاستهجان والازدراء.
رحلة الإعلام للتطبيع مع الشذوذ
أخي الكريم، هناك اتجاهات قوية في الغرب ترفض الشذوذ، وتراه مصيبة أخلاقية وإنسانية، لكن هذه الاتجاهات يجري حصارها حصارًا شديدًا في الإعلام، ثم تشويه صورتها بصورة مرعبة قد تُجبر ذلك الشخص الرافض على اللجوء للصمت حفاظًا على سمعته ومصالحه، كذلك تتعرض الشخصيات العامة الرافضة للشذوذ لعزلة شديدة، وإذا كان الشخص من أهل الفن والرأي فإن الأبواب توصد أمامه، كنوع من العقاب والتأديب على مناداته لانسجام العلاقات الجنسية مع الفطرة الإنسانية.
ملامح دور الإعلام في التطبيع مع الشذوذ
ومن الملامح التي يمكن رصدها في دور الإعلام في التطبيع مع الشذوذ:
* الإلحاح الإعلامي المستمر والمتنوع: استمرار الإلحاح الإعلامي في قضية ما من الممكن أن يُحدث تغييرًا في منظومة القيم المجتمعية، وتلاعبًا كبيرًا بما يقبله المجتمع وبما يرفضه، وفيما يتعلق بالشذوذ نشير إلى دراسة مهمة نشرت في أبريل عام 2024م، عن "التغطية الإعلامية للشذوذ على مدار عشر سنوات" وهي الدراسة الأولى من نوعها تحلل بيانات الشواذ في الإعلام في دولة واحدة هي "سنغافورة" وهي حالة تمثل مجتمعًا يرفض الشذوذ والتحول الجنسي في حين أن الدولة تشجع عمليات التحول الجنسي.
أشارت تلك الدراسة إلى أن قاعدة البيانات التي تتعلق بالشواذ تشير إلى أن عدد الكلمات التي تم رصدها (400) مليون كلمة، وكانت فترة استخراج المواد الإخبارية من (1 يناير 2010م حتى 31 ديسمبر 2020م)، أي في كل عام (40) مليون كلمة في المتوسط، أي في كل شهر حوالي (3.33) مليون كلمة، بمتوسط (100) ألف كل يوم، كما أشارت الدراسة إلى أن مع ازدياد التغطية الاعلامية تم إطلاق أكثر من وصف على الشذوذ، والتحول الجنسي.
أكدت الدرسة أن الشذوذ كان محظورًا بالقانون في سنغافوة من العام 1965م، وعندما جاء العام 2022م تم إلغاء القانون، ومعنى هذا أن الإعلام كان له دور رائد وفاعل في إلغاء القانون.
* التواصل المتخيل: هناك فرضية في الاتصال طرحها عالم النفس الأمريكي "غوردون ألبورت" الذي اهتم بطرق بناء الشخصية، وملخصها "أن التحيز والصراع بين المجموعات يمكن تقليله إذا تفاعل أعضاء المجموعات مع بعضهم البعض"، وقد تم الاستفادة من هذه الفكرة للتطبيع مع الشواذ من خلال الشخصيات الافتراضية في المسلسلات والأفلام، حيث تم طرح الشواذ "ومعاناتهم ومشكلاتهم" في قالب إنساني مؤثر يستجلب التعاطف مع الشواذ، كأنهم يتعرضون لاضطهاد ونبذ.
فمنذ التسيعنيات كان هناك حضور متزايد للشواذ في المسلسلات والأفلام الأمريكية، كما غصت وسائل الإعلام بالحديث عن حقوق الشواذ، وكان التأثير الأكبر على ذوي السن الأصغر الذي تأثروا بهذا الخطاب وتلك الأفكار المتسربة من خلال الفن إلى وعيهم وأدى ذلك إلى انتشار الشذوذ والتطبيع مع ذلك الانحراف الأخلاقي، إذ كان ذوو السن الأصغر أكثر استعدادًا للتجاوب مع تلك الرسائل الإعلامية.
وكان تعزيز الظهور الدائم والمتنوع للشواذ في الإعلام، وفي استعراض خطابهم وحججهم التي تبرر الشذوذ، من الأسباب التي دفعت الشباب الصغير إلى التطبيع مع الشذوذ، وألا يجد غضاضة في الاعتراف بهم أو التحول إلى الشذوذ نفسه، وتوسيع نطاق التسامح مع الشذوذ.
وفي دراسة أجراها علماء من جامعة كاليفورنيا، ونشرت عام 2024م، حول "دور وسائل التواصل الاجتماعي في التحول السريع للمعايير الاجتماعية المتعلقة بالجنس" ذكرت أن وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انفجار التنوع في الجنس والنوع الاجتماعي في أمريكا، وظهور معايير جديدة خاصة بالجنس في المجتمع.
وفي دراسة نشرت عام 2017م بعنوان "تغيير وسائل الإعلام وتغيير العقول: التعرض الإعلامي ومواقف المشاهد تجاه المثلية الجنسية" ذكرت أن "المشاركين الأصغر سنًّا الذين لديهم مستويات أعلى من التعرض الإعلامي سيكون لديهم مواقف أكثر إيجابية تجاه المثلية الجنسية".
روابط ذات صلة:
مجتمع الميم.. تطبيع الكلمة مع الخطيئة