الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
72 - رقم الاستشارة : 5312
13/07/2026
متى يتحول الفضول الصحي كنوع من الشغف بالمعرفة واستكشاف الجديد إلى حالة مرضية من التطفل وانتهاك خصوصيات الآخرين؟
أخي
الكريم، الفضائل
دومًا تقف في منطقة وسط، ويؤدي التطرف فيها إلى خُلق سيئ وتصرفات غير مقبولة، ومن
ذلك الفضول الذي يعتبر محرضًا على الاستكشاف والمعرفة، لكن جرعاته الزائدة تحوله
إلى تطفل وتجسس يضر بالآخرين ويقتحم عليهم عالمهم الخاص ليهتك أسرارهم.
ماهية
الفضول والتطفل؟
الفضول هو
رغبة إيجابية في المعرفة والاستكشاف والتعلّم، ولعل هذا ما دفع الروائي والناقد
الفرنسي الحائز على جائزة نوبل "أناتول فرانس" المتوفى (1924م) للقول: "ربما
يكون الفضول هو أعظم فضائل البشر"، فالرغبة الفطرية في المعرفة، وطرح
الأسئلة، واستكشاف المجهول، هي المحرك الأساسي لتطور البشرية، لذلك يقال إن الفضول
هو المعلم الأول للبشرية، فمنذ خطوات الطفل الأولى في الحياة، والفضول يدفعه إلى
استكشاف ما حوله من خلال الفم، وأطلق عليها الأطباء "المرحلة الفمية"
والتي تمتد من الميلاد حتى سنة (18) شهرًا.
ينمو
هذا الفضول المعرفي والاستكشافي مع الإنسان، وبه يتعرف على الكون والعلاقات،
ويتحصل من خلاله على المعرفة، ومن فوائد الفضول الإيجابي في العلاقات الاجتماعية:
* التعارف: الإنسان الذي يمتلك فضولاً إيجابيًّا،
قادر على التعارف السريع، والاقتراب الجيد من الناس وإزالة عزلتهم وإحراجهم في
الاقتراب من الناس خاصة إذا كانوا غرباء.
* التعاطف: الفضول الإيجابي يولد التعاطف، إذ
يستطيع الشخص الذي يمتلك فضولاً إيجابيًّا أن يستكشف معاناة الآخرين ومشكلاتهم،
وهو ما يكون سببًا في إيجاد حالة تعاطف إنساني، لم تكن لتحدث إذا ظل الشخص صامتًا.
* المرونة: الفضول الإيجابي يؤدي إلى المرونة،
والمرونة هي قدرتنا على تعديل أفكارنا ومشاعرنا وسلوكياتنا استجابة للتحديات
والمعلومات الجديدة، والأفراد الفضوليون يميلون إلى التعامل مع مشاعرهم بعقل
متفتح، واستكشاف ردود أفعالهم العاطفية بدلاً من تجنبها أو كبتها، وهذه المرونة
تؤدي إلى التعديل والتصحيح والتجويد في الكثير من الأحيان، والاستجابة مع التحديات
الجديدة.
والحقيقة أن الفضول الإيجابي تجاه الآخرين ليس مجرد
مجاملة اجتماعية، ولكنه وسيلة فعالة للتواصل والنمو والتفاهم المتبادل؛ فالتعرف
على الآخرين واستكشاف عالمهم الداخلي دون إزعاجهم يثري التواصل الإنساني.
وقد
تناول عالم النفس الأمريكي "تود كاشدان" الفضول، ورأى أن له خمسة أبعاد
تشكله، وهي:
* الاستكشاف المُبهج: وهو السعي بشغف لاكتشاف أفكار وأحداث وتجارب جديدة.
* حساسية الحرمان: وهي الرغبة الملحة في سد فجوات المعرفة، وحل المشكلات
الغامضة.
* البحث عن الإثارة: وهو الاستعداد لتحمل المخاطر الجسدية أو الاجتماعية أو
المالية مقابل تجارب جديدة.
* تحمل التوتر: وهو القدرة على تقبل الغموض وعدم اليقين دون الشعور بالانزعاج.
* الفضول الاجتماعي: وهو الانفتاح على مراقبة سلوك الآخرين والاستماع إليهم لفهم
أفكارهم.
أما
التطفل فهو
سلوك سلبي يتمثل في التدخل المزعج في خصوصيات وشؤون الآخرين دون رضاهم، وغالبًا ما
ينتج عن فراغ أو رغبة في التدخل فيما لا يعني الفرد.
ومن
أنواع التطفل على الخصوصية:
* التطفل الرقمي: تفتيش الهواتف، أو التجسس على حسابات التواصل الاجتماعي، أو
قراءة الرسائل دون علم صاحبها.
* التطفل الاجتماعي: طرح أسئلة شخصية محرجّة عن الراتب، أو الزواج، أو
الإنجاب، أو التدخل في العلاقات الأسرية.
*
التطفل المهني: محاولة معرفة رواتب الزملاء، أو تفاصيل ترقياتهم، أو
التجسس على ملفات العمل الخاصة بهم.
*
التطفل المادي: مراقبة ممتلكات الآخرين، أو النظر في مشترياتهم، أو
التلصص على بيوتهم وجلساتهم.
وختامًا
أخي الكريم، يجب أن تتمثل حديث النبي ﷺ الذي رواه الإمام الترمذي في صحيحه، وهو
"مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ"، وعلى
الجانب الآخر يجب أن تمتلك فضولاً إيجابيًّا يساعدك على الاقتراب من الناس دون أن
تزعجهم، ودون أن يتحول الفضول إلى تطفل ضار ومؤذ.
موضوعات
ذات صلة:
كيف أتعلم الشغف وأكتسب حماسته؟
ثقافة التغافل.. كيف تصلح علاقتنا الإنسانية؟
لماذا يتكبر الإنسان على أخيه الإنسان؟