الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقه الأسرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
22 - رقم الاستشارة : 5021
10/06/2026
طلقتُ زوجتي في لحظة غضب عارم وشديد، لدرجة أنني لم أكن أعي ما أقول وشعرتُ أن عقلي قد غُيب، فهل يقع هذا الطلاق؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فمرحبًا بك أخي الكريم، وإن الشريعة الإسلامية قد جعلت
حفظ الأسرة واستقرارها واحدًا من أهم مقاصدها، ولم تجعل عقد النكاح ألعوبة تُنهيها
لحظات طيش أو انفعال عابر. ولما كان الطلاق تصرفًا قوليًّا تترتب عليه آثار خطيرة،
فقد اشترط الفقهاء في المطلِّق الإدراك والوعي والقصد، وحيث إن "الغضب"
عارض من عوارض الأهلية التي قد تؤثر في إدراك الإنسان وقصده، فقد أولاه علماء
الإسلام عناية بالغة تفصيلاً وتأصيلاً، وفيما يلي بيان حكم هذه النازلة.
اختصارًا: إذا كان الغضب الذي أصابك قد بلغ بك مبلغًا أفقدك الوعي والإدراك، بحيث لم
تكن تعي ما تقول، وتشعر أن عقلك قد غُيب بالكامل وهو ما يُعرف فقهيًّا بغضب
الإغلاق، فإن هذا الطلاق لا يقع شرعًا، وتظل زوجتك في عصمتك، والقاعدة الشرعية في
هذا أن طلاق الغضبان الذي لا يعي كلامه ولا يعلم ما يخرج من رأسه باطل؛ لارتفاع
أهليته المعتبرة شرعًا وقت التلفظ، كالمجنون والمعتوه.
آراء العلماء قديمًا وحديثا:
استند العلماء في حكم طلاق الغضبان إلى ما رواه الإمام
أحمد وأبو داود وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «لَا طَلَاقَ
وَلَا عِتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ». وقد فسر المحققون "الإغلاق" بالغضب
الشديد الذي يُغلق على العقل فلا يتدبر ولا يعي. وقد قسّم العلماء الغضب إلى ثلاثة
أقسام:
غضب يسير: لا
يغير العقل ولا يمنع الإدراك؛ وهذا يقع معه الطلاق إجماعًا.
غضب مستحكم جنوني: يزيل العقل تمامًا فلا يعلم الغضبان ما قال ولا ما أراد؛ وهذا لا يقع
طلاقه إجماعًا.
غضب بين المرتبتين: يشتد بصاحبه ويخرجه عن طوره وعادته، ولكنه يعلم ما يقول؛ وهذا محل
الخلاف، والراجح عدم وقوعه أيضًا.
الإمام ابن قيم الجوزية وشيخ الإسلام ابن تيمية وهو
المفتى به حديثًا
ذهب المحققون من العلماء إلى عدم وقوع طلاق الغضبان إذا
غُيب عقله ولم يعِ ما يقول، بل وألحقوا به الغضب الشديد الذي يخرجه عن طوره وإن
كان يعلم كلامه.
جاء في كتاب إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان لابن
القيم ص: 33: «فإذا اشتد به الغضب حتى أغلق عليه باب العلم والإرادة لم يقع
طلاقه... لأن الغضب غول العقل، فإذا اغتال الغضب عقله حتى لم يعلم ما يقول، أو علم
ولم يملك نفسه، بل جرى اللفظ على لسانه من غير إرادة واختيار منه: فكيف يؤاخذ
به؟!».
مذهب جمهور الفقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية،
والحنابلة
اتفق الجمهور على أن الغضب إذا وصل إلى حد
"الهذيان" وغياب الوعي، بحيث يصبح الشخص كالمجنون، فإن الطلاق لا يقع.
جاء في حاشية ابن عابدين 3/ 244: «أنه إذا كان الغضب
مدهشًا، بحيث يُخرج الشخص عن حال اعتداله، ولا يدري ما يقول ويقصد، فإنه كالمجنون؛
فلا يقع طلاقه».
وجاء في أسنى المطالب لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري 3/
266: «ولو اشتد غضبه حتى صار كالمجنون فطلق، لم يقع طلاقه؛ لزوال تمييزه».
وجاء في كشاف القناع للبهوتي 5/ 235: «أو طلق في غضب
شديد يمنعه تصور ما يقول، فلا يقع طلاقه... لأنه صار كالمجنون والمعتوه».
الفتوى المستقرة حديثًا
اتفقت دور الإفتاء المعاصرة كالأزهر الشريف، ودار
الإفتاء المصرية، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في فتاواها المستقرة
وقوانين الأحوال الشخصية، على أن طلاق الغضبان غضبًا شديدًا يصل حد عدم الوعي أو
عدم القدرة على التحكم في إرادته هو طلاق لغو لا يترتب عليه أي أثر قانوني أو
شرعي. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
كيف عالجت الشريعة ظاهرة الطلاق المتسرع؟
لو كنتَ رجلاً طلقني.. خطورة طلب الطلاق في الغضب وأسرار عودة البيوت!