محلات طلب الرزق هل ملزمة بالسماح للزبائن بأداء الصلاة فيها؟

Consultation Image

الإستشارة 09/08/2026

إذا كان هناك محل ملابس مثلا في أحد مراكز التسوق الكبري وكان هذا المركز التجاري به مصلى للرجال ومصلى للنساء، فهل من حق الزبائن أن يصروا على أداء الصلاة في المحل؟ وهل لصاحب المحل أن يمنعهم إذا طلبوا الصلاة في محله وقد يكون فيه مكان مناسب للصلاة أو قد لا يكون  متعللا بأنه يوجد مكان للصلاة في المركز التجاري وإذا كان من حقه أن يمنعهم هل يجوز للزبائن أو المشترين أن يشهروا به على الإنترنت؟

الإجابة 09/08/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة، واعلمي حفظكِ الله ورعاكِ، أن الشريعة الإسلامية كما جاءت بالأمر بإقامة الصلاة والعناية بها، جاءت كذلك بتنظيم الحقوق والتصرف في الأملاك، وضبط العلاقة بين المسلمين على قاعدة الإحسان والرفق مع مراعاة الضوابط الشرعية في حدود التصرف. ويُعد مسكن الإنسان ومحله التجاري وخاصته مما جعل الشارع له حُرمة وحقًّا في الاستئذان والتصرف، لا سيما مع وجود البدائل والمرافق المخصصة للعبادة.

 

اختصارًا:

 

· إذا لم يكن طالب الإذن بالصلاة مقعدًا أو مريضًا أو لا يستطيع الوصول إلى المكان المخصص للصلاة، فالأفضل له ولصاحب المكان وللعملاء الآخرين، ولحرمة الصلاة وما تقتضيه من الخشوع والتفرغ لها أن يذهب إلى المصلى، فإن أبى وطلب الإذن ولم يؤذن له فلا يحق إجبار صاحب الملك، أو المختص بالمنفعة على الإذن له تحت أي مبرر.

 

· ليس من حق الزبائن الإصرار على الصلاة داخل المحل التجاري إذا رفض صاحب المحل أو القائم عليه ذلك؛ لأن المحل ملك خاص أو عين مستأجرة لمنفعته، والتصرف فيه يتوقف على إذنه ورضاه.

 

· يجوز لصاحب المحل منع الزبائن من الصلاة في محله، وتتأكد مشروعية المنع إذا كان المحل ضيقًا، أو يسبب الازدحام والإرباك للعمل، أو لوجود مصلى مخصص وقريب في المركز التجاري يفي بالغرض وزيادة.

 

· لا يجوز للزبائن التشهير بصاحب المحل على الإنترنت أو إساءة السمعة له لمجرد منعه لهم من الصلاة داخل المحل؛ إذ المنع حق سائغ له شرعًا وقانونًا، والتشهير به يُعد من الظلم والإيذاء المحرم والعدوان بغير حق.

 

وبخصوص الحادثة المشهورة فما وصل إلى علمنا أن السيدة استأذنت ممن تظن أنه يملك الإذن فأذن لها، وأنها بدأت في الصلاة فعلا، وهنا ينبغي على مدير المكان أو صاحبه أن يراعي حرمة الصلاة، فإنه يغفر في الانتهاء ما لا يغفر في الابتداء، ثم عليه أن ينبه على طاقم العمل ويوجه العملاء برفق أن المكان لا يصلح للصلاة فيه.

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: أصل توقف شغل ملك الغير على إذنه ورضاه

 

اتفق الفقهاء على أن أداء العبادة كالصلاة في ملك الغير دون إذنه أو مع نهيه يُعد تصرفًا غير مأذون فيه، وأصل ذلك حديث النبي ﷺ: «لا يَحِلُّ مالُ امرِئٍ مُسْلِمٍ إلا بطِيبِ نَفْسٍ منه» رواه الدارقطني وصححه الألباني.

 

قال الإمام النووي الشافعي في "المجموع شرح المهذب" 3/ 158: «لا تصح الصلاة في الدار المغصوبة... وكذا إذا صلى في ملك غيره بغير إذنه، فإن علم أو ظن رضاه صحت وإلا فلا».

 

وقال ابن قدامة المقدسي في "المغني" 2/ 57: «وإن صلّى في أرض غيره بغير إذنه، فإن كان يغلب على الظن رضاه... جازت الصلاة فيها، وإن علم كراهته أو شك في ذلك لم تجز».

 

ثانيًا: مراعاة المقاصد والمصالح العامة وسد الذرائع:

 

صاحب المحل متكفل بإدارة تجارته وحفظ بضاعته وحماية مصلحة متجره، والتضييق عليه أو إحراجه بالصلاة في المحل التجاري المخصص للبيع والتجارة -مع توفر مصلّى عام ومجهز في المركز التجاري- يخالف مقصود التجارة وينتفي معه شرط العسر والضرورة.

 

جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء" بالسعودية مجموعة 1/ ج 6 ص 268 في شأن الصلاة في الأماكن الخاصة دون إذن: «الصلاة في الأماكن المملوكة للغير تتوقف على إذن صاحبها أو غلبة الظن برضاه، أما مع عدم الإذن أو النهي فالمسلم يصلي في المساجد والمصليات المعدة لذلك دفعًا للمشقة والمفسدة».

 

ثالثًا: حكم التشهير والإساءة للغير بغير حق

 

التشهير بصاحب المحل أو نقده عبر وسائل التواصل الاجتماعي بسبب ممارسته لحقه الشرعي والتنظيمي هو نوع من البغي والعدوان المحرم شرعًا.

 

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].

 

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" 10/ 484: «كل من آذى مؤمنًا بغير حق فهو داخل في الوعيد، والاعتداء على سمعته بالتشهير والتنفير بغير حق شرعي من المظالم التي يحاسب عليها العبد».

 

القواعد الفقهية الحاكمة في السماح للزبائن بأداء الصلاة في المحلات:

 

قاعدة: «الأصل في أموال المسلمين وحقوقهم الحرمة»

 

لا يجوز الانتفاع بملك الغير أو التضييق عليه فيه إلا بإذنه الصريح أو الضمني.

 

قاعدة: «الرضا بالشيء إذن فيه، والنهي يرفع الإذن»

 

إذا صرح صاحب المحل بالمنع أو لم يرضَ بدخول العامة للصلاة في محله لم يجز شغل المكان بالصلاة، ووجب الانتقال للمصلى المخصص.

 

قاعدة: «الضرر يُزال» و «لا ضرر ولا ضرار»

 

فحيث وجد المصلى في المركز التجاري زال الضرر عن الزبائن، وأصبح فرض الصلاة داخل المحل إضرار بصاحب التجارة.

 

قاعدة: «الجواز الشرعي ينافي الضمان والإثم»

 

ما دام صاحب المحل قد مارس حقًّا مشروعًا له بمنع الصلاة في ملكه الخاص اعتمادًا على وجود المصلى العام، فإنه لا يُعد مسيئًا ولا آثمًا، وبالتالي فإن التشهير به اعتداء وظلم خالص. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

إغلاق الشوارع لأداء الصلاة.. ضوابط المنع والجواز

تحويل المصليات في المؤسسات إلى مكاتب

الرابط المختصر :