الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقه الأسرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
60 - رقم الاستشارة : 4008
03/02/2026
لماذا شرع الله الطلاق على الرغم من أنه يؤذي المرأة ويهدم الأسرة ويضيع حق الأبناء؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فالزواج في الإسلام ميثاق غليظ، وهدفه السكينة والمودة والرحمة. لكن الله، وهو خالق النفس البشرية، يعلم أن الحياة ليست دائمًا مثالية، يعلم أن القلوب قد تتنافر، والطباع قد لا تتوافق، وأن استمرار بعض الزيجات قد يتحول إلى سجن مؤلم، وضرر أكبر من ضرر الفراق.
والطلاق وإن كان أبغض الحلال لكنه في بعض الأوقات يكون الحل الوحيد للمرأة أن تتخلص من الزوج التي لا تحبه ولا يعفها، وتستحيل العشرة بينهما، وكذلك الأمر بالنسبة للرجل.
وهنا تتجلى حكمة تشريع الطلاق، فهو ليس هدفًا يسعى إليه الإسلام، بل هو حل وعلاج لضرر أكبر، كالدواء المر الذي لا نلجأ إليه إلا عند الحاجة الشديدة.
هل في الطلاق ضياع لحقوق المرأة؟
يشجب كثير من غير المسلمين، ومن حذا حذوهم من العلمانيين والمستغربين والمهزومين على الشريعة الإسلامية أنها شرعت الطلاق، ويعتبرون ذلك ضياعًا لحق المرأة، واستقواء للرجل عليها، فهو يتمتع بها ما شاء، فإذا ملها أو شبع منها طلقها.
بل وصل السفه بهم أو ببعضهم أن يفخر بأن الشريعة التي ينتسب إليها أو القانون الذي يحتكم إليه يجرم أو يحرم الطلاق، ويظن أن هذا مدعاة للمفخرة والتعالي على الآخرين!!
وينسى أو يتناسى هؤلاء أن تحريم أو تجريم الطلاق ظلم للمرأة والرجل على حد سواء؛ فهو ظلم للمرأة لأنه يقهرها ويجبرها أن تعيش مع من لا تحب، بل تقهره وتبغضه أشد البغض، وليس أمامها من سبيل إلا أن تبحث عن خليل في الحرام تدنس به عرضها وعرض زوجها وأهلها وعشيرتها، أو تقتل زوجها حتى تستريح منه، أو تنتحر حتى تتخلص من هذه العلاقة السرمدية القهرية التي لا فكاك منها.
وظلم للرجل أن يعيش مع امرأة لا يحبها ولا تحبه، وقد لا يعفها ولا تعفه، فيبحث عن هذه الشهوة في الحرام، أو يقتلها أو ينتحر، وهذه هي المدنية التي يروجونها بيننا ويريدون منا أن نعيش لها وبها!
الشريعة لا تشجع على الطلاق
إن الشريعة الإسلامية عندما شرعت الطلاق لم تحث الناس عليه، بل جعلته أبغض الحلال إلى الله، وجعلته استثناء وليس أصلاً، وجعلته بيد الرجل؛ لأنه هو الذي يدفع المهر، وهو الذي يتحمل تكاليف الطلاق إن وقع، وجعلت للمرأة كافة حقوقها المالية والمعنوية، وأعطت لها الفرصة أن تبدأ حياتها مع رجل آخر ربما تجد سعادتها في الدنيا والآخرة معه.
نقل فضيلة الشيخ سيد سابق في فقه السنة عن ابن سينا أنه قال في كتاب الشفاء: ينبغي أن يكون إلى الفرقة سبيل ما، وألا يسد ذلك من كل وجه، لأن حسم أسباب التوصل إلى الفرقة بالكلية يقتضي وجوهًا من الضرر والخلل، منها: أن من الطبائع ما لا يألف بعض الطبائع، فكلما اجتهد في الجمع بينهما زاد الشر، والنبؤ (أي الخلاف) وتنغصت المعايش.
ومنها: أن الناس من يُمنى (أي يصاب) بزوج غير كفء، ولا حسن المذاهب في العشرة، أو بغيض تعافه الطبيعة، فيصير ذلك داعية إلى الرغبة في غيره، إذ الشهوة طبيعية، ربما أدى ذلك إلى وجوه من الفساد، وربما كان المتزاوجان لا يتعاونان على النسل، فإذا بدل بزوجين آخرين تعاونا فيه، فيجب أن يكون إلى المفارقة سبيل، ولكنه يجب أن يكون مشددًا فيه، (أي لا يلجأ إلى الطلاق إلا بعد استنفاد كل الوسائل لتفاديه).
ويقول الأستاذ سيد قطب - رحمه الله - في الظلال:
الإسلام لا يسرع إلى رباط الزوجية المقدسة فيفصمه لأول وهلة، ولأول بادرة من خلاف. إنه يشد على هذا الرباط بقوة، فلا يدعه يفلت إلا بعد المحاولة واليأس.
إنه يهتف بالرجال: ﴿... وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19].
فيميل بهم إلى التريث والمصابرة حتى في حالة الكراهية، ويفتح لهم تلك النافذة المجهولة: (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيرًا..) فما يدريهم أن في هؤلاء النسوة المكروهات خيرًا، وأن الله يدخر لهم هذا الخير. فلا يجوز أن يفلتوه. إن لم يكن ينبغي لهم أن يستمسكوا به ويعزوه! وليس أبلغ من هذا في استحياء الانعطاف الوجداني واستثارته، وترويض الكره وإطفاء شرته.
فإذا تجاوز الأمر مسألة الحب والكره إلى النشوز والنفور، فليس الطلاق أول خاطر يهدي إليه الإسلام. بل لا بد من محاولة يقوم بها الآخرون، وتوفيق يحاوله الخيرون: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: 35]...
فإذا لم تُجدِ هذه الوساطة، فالأمر إذن جد، وهناك ما لا تستقيم معه هذه الحياة، ولا يستقر لها قرار. وإمساك الزوجية على هذا الوضع إنما هو محاولة فاشلة، يزيدها الضغط فشلاً، ومن الحكمة التسليم بالواقع، وإنهاء هذه الحياة على كره من الإسلام، فإن أبغض الحلال إلى الله الطلاق، فإذا أراد أن يطلق فليس في كل لحظة يجوز الطلاق. إنما السنة أن يكون في طهر لم يقع فيه وطء.. وفي هذا ما يؤجل فصم العقدة فترة بعد موقف الغضب والانفعال. وفي خلال هذه الفترة قد تتغير النفوس، وتقر القلوب، ويصلح الله بين المتخاصمين فلا يقع الطلاق! ثم بعد ذلك فترة العدة. ثلاثة قروء للتي تحيض وتلد. وثلاثة أشهر للآيسة والصغيرة. وفترة الحمل للحوامل. وفي خلالها مجال للمعاودة إن نبضت في القلوب نابضة من مودة، ومن رغبة في استئناف ما انقطع من حبل الزوجية.
ولكن هذه المحاولات كلها لا تنفي أن هناك انفصالاً يقع، وحالات لا بد أن تواجهها الشريعة مواجهة عملية واقعية، فتشرع لها، وتنظم أوضاعها، وتعالج آثارها. وفي هذا كانت تلك الأحكام الدقيقة المفصلة، التي تدل على واقعية هذا الدين في علاجه للحياة، مع دفعها دائمًا إلى الأمام. ورفعها دائمًا إلى السماء.
جاء في كتاب بيان للناس من منشورات الأزهر: من وُجوه الحِكْمة في تقرير مبدأ الطلاق:
1ـ قد تكون الزوجة عقيمًا والرجل يريد نسلًا، وطلب النسل مشروع وهو الهدف الأول من الزواج، ولا تَرْضَى الزوجة بأن يَضُمَّ إليها أخرى. أو لا يستطيع هو أن يُنْفِق على زوجتين، وبالمِثْل قد يكون بالزوج عيب يمنع من وُجود النسل، وهي تتَوَقَّ لإشباع غريزة الأمومة، فلا سبيل إلا الطلاق.
2ـ وقد يكون بأحدهما مرَض مُعدٍ يُحِيل الحياة إلى متاعب وآلام، فيكون العلاج بالطلاق.
3ـ وقد يكون الزوج سيئ العِشْرة خَشِن المعاملة لا يُجدي معه النصح، وقد تكون هي كذلك فلا مَفَرَّ من الفراق. وقد تكون هناك أسباب أخرى منه أو منها فيكون الطلاق أمرًا لا بد منه.
والواقع يُقَرِّر أن للطلاق مَضارَّ بجوار ما فيه من منافعَ، فله أثرُه على المرأة إذا لم يكن لها مَوْرِد رزق تعتمد عليه ويُخْشَى أن تسلُك مسالك غير شريفة، وله أثره على الرجل في تَحَمُّل تَبِعاته المالية والنفسية إذا لم يَجِد مَن تعيش معه إذا كان الطلاق بسببه، كما يتضرر به الأولاد الذين لا يَجِدون الرعاية الصحيحة في كنَف الوالدين، فإما أن يعيشوا تحت رعاية زوج أمهم أو تحت رعاية زوجة أبيهم، وإما أن يَتَشَرَّدوا فلا يجدوا ما يَحْمِيهم من الانحراف، وفي ذلك كله ضرر على المجتمع. ومن أجل هذا جعلَه الإسلام في أضيَق الحدود، ونهاية المطاف في محاولة التوفيق.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة:
أحكام الطلاق الصحيح ومخاطر الطلاق البدعي