من كثرة الأنشطة إلى صناعة الأثر.. كيف أبني خُطة دعوية حقيقية؟

Consultation Image

الإستشارة 01/10/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية شاب أعمل مع مجموعة من الشباب في أحد المراكز الدعوية، ولدينا نشاط كبير؛ ننظم دروسًا أسبوعية، ومحاضرات شهرية، وحملات في المواسم، وأنشطة للأطفال، ولقاءات للشباب، ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنني بدأت أشعر أن العمل الدعوي عندنا يتحرك كثيرًا دون أن نعرف إلى أين نتجه.

أحيانًا نقيم محاضرة لأن أحد الدعاة متاح، وأحيانًا ننظم دورة لأن هناك مناسبة، وأحيانًا ننشر حملة إلكترونية لأن موضوعًا معينًا انتشر، ثم ينتهي النشاط وننتقل إلى نشاط آخر. ولدينا أعداد كبيرة من المشاركين، لكننا لا نعرف كم شخصًا استفاد فعلًا، ولا كم شابًا استمر، ولا ما المشكلات الحقيقية التي نحتاج إلى علاجها.

وعندما أحاول أن أطرح فكرة التخطيط، يقول بعض الزملاء: «الدعوة ليست شركة حتى نضع لها مؤشرات أداء وخططًا»، ويخشى البعض أن يؤدي التخطيط إلى قتل الإخلاص وتحويل الدعوة إلى أرقام وإحصاءات.

وأنا لا أريد أن أحول العمل الدعوي إلى عمل إداري جاف، وإنما أريد أن أعرف: كيف ننتقل من النشاط إلى الأثر؟ وكيف نبني خطة دعوية لمدة عام مثلًا، تحدد الجمهور والمشكلات والأهداف والوسائل؟ وكيف نقيس النجاح بطريقة لا تقتل الجانب الإيماني والإنساني للدعوة؟

الإجابة 01/10/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أخي الكريم، وبارك الله في حرصك على أن تتحول الدعوة من مجرد كثرة حركة إلى حسن أثر. وما طرحته من القضايا المهمة جدًّا؛ لأن كثرة الأنشطة ليست دليلًا بالضرورة على نجاح الدعوة، كما أن قلة الأنشطة ليست دليلًا على ضعفها. والعبرة بما تصنعه الدعوة في الإنسان والمجتمع.

 

والتخطيط ليس ضد التوكل، كما أن التنظيم ليس ضد الإخلاص. لقد كان النبي ﷺ يخطط ويأخذ بالأسباب ويرتب الأعمال، ومع ذلك كان قلبه متعلقًا بالله. وفي الهجرة نفسها تظهر أبعاد التخطيط النبوي في اختيار الصاحب والطريق والوقت والوسيلة وتوزيع الأدوار.

 

والخطوة الأولى في التخطيط الدعوي أن تتوقفوا قليلًا قبل أن تضيفوا نشاطًا جديدًا. اجلسوا مع الفريق واسألوا سؤالًا واضحًا: «من الذين ندعوهم؟ وما المشكلة التي نريد أن نعالجها؟ وما التغيير الذي نريده بعد سنة؟». فإذا لم تستطع المؤسسة الإجابة عن هذه الأسئلة، فإنها غالبًا ستظل تنتج أنشطة متفرقة.

 

فإذا كان جمهوركم مثلًا طلاب الجامعة، فلا تقولوا: «نريد نشر الإسلام»، فهذه غاية كبرى لا تتحول مباشرة إلى خطة. قولوا: «نريد خلال عام مساعدة خمسين طالبًا على بناء علاقة ثابتة بالقرآن والصلاة، وتعزيز قدرتهم على التعامل مع الشبهات المنتشرة في بيئتهم الجامعية، وبناء مجموعة شبابية صالحة مستمرة». هنا بدأت الخطة تأخذ شكلًا عمليًّا.

 

ثم ادرسوا الجمهور. ما أعمارهم؟ ما اهتماماتهم؟ ما الضغوط التي يعيشونها؟ ما أكثر الأسئلة التي يطرحونها؟ ما مصادر معرفتهم؟ ما المنصات التي يستخدمونها؟ هل المشكلة نقص المعرفة أم ضعف الإرادة أم غياب الصحبة أم ضغوط الأسرة؟ لأنك إذا لم تعرف المشكلة فقد تعالج شيئًا غير موجود.

 

وهنا تظهر أهمية العلوم الإنسانية في العمل الدعوي؛ فالداعية الذي يفهم علم النفس والاجتماع والتربية يستطيع أن يرى الإنسان بصورة أعمق، ويعرف أن المشكلة السلوكية ليست دائمًا مشكلة معلومات. قد يعرف الشاب أن الصلاة واجبة، لكنه لا يصلي؛ فالمشكلة هنا تحتاج إلى فهم العادات والبيئة والدافعية وربما الضغوط النفسية، وليس إلى تكرار الحكم الشرعي فقط.

 

ثم حددوا أهدافكم. واجعلوا الأهداف قليلة وواضحة. لا تحاولوا علاج كل شيء في عام واحد. اختاروا ثلاث أو أربع قضايا رئيسة. ثم لكل قضية برنامج، ولكل برنامج مسؤول، ولكل برنامج مدة زمنية، ولكل برنامج وسيلة مناسبة.

 

ولا تجعلوا المحاضرة هي الوسيلة الوحيدة. فهناك التعليم، والحوار الفردي، والمجموعات الصغيرة، والأنشطة التطوعية، والرحلات التربوية، والورش التدريبية، والمحتوى الإلكتروني، والاستشارات، وبرامج الأسرة، وخدمة المجتمع. وقد تكون جلسة حوارية من ستة شباب أكثر أثرًا من مؤتمر يحضره ألف شخص ثم ينصرفون دون متابعة.

 

ثم تأتي مرحلة المتابعة، وهي من أكثر المراحل غيابًا في الأعمال الدعوية. لا يكفي أن يحضر الشاب برنامجًا، بل اسألوه بعد شهر: ماذا استفدت؟ ماذا تغير؟ ما الصعوبة التي واجهتك؟ هل تحتاج إلى دعم؟ فالدعوة ليست «إلقاء الرسالة» وإنما مرافقة الإنسان في طريق التغيير.

 

ولا تخافوا من الأرقام، وإنما اخافوا من عبادة الأرقام. يمكن أن تقولوا: حضر مائة شاب، لكن عشرة منهم فقط استمروا. هذه ليست كارثة، بل معلومة تساعدكم على تحسين العمل. ويمكن أن تقولوا: حضر ثلاثون، لكن عشرين منهم التزموا ببرنامج مستمر. هنا ربما كان النشاط أصغر لكنه أكثر أثرًا.

 

واجعلوا لكم مؤشرات ثلاثة: مؤشر الوصول، ومؤشر المشاركة، ومؤشر التغيير. الوصول يعني: كم شخصًا وصل إليه المحتوى؟ والمشاركة تعني: كم شخصًا شارك واستمر؟ أما التغيير، وهو الأهم، فيعني: ماذا تغير في حياة المستفيدين؟

 

وإذا خشي بعض الزملاء من أن التخطيط يقتل الإخلاص، فقولوا لهم إن الإخلاص يتعلق بالنية، أما التخطيط فيتعلق بالأداء. يمكنك أن تكون مخلصًا وغير منظم، ويمكن أن تكون منظمًا غير مخلص، والمطلوب أن نجمع بين الأمرين.

 

قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ والإعداد في مفهومه العام يتضمن حسن الاستعداد وبذل الأسباب. كما قال سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾.

 

وأنصحك ختامًا بالآتي:

 

ابدأوا بورشة تخطيط يوم واحد، واكتبوا جمهوركم، ومشكلاتهم، وأهدافكم، وبرامجكم، ومسؤولي كل برنامج، والمدة، ومؤشرات النجاح. وبعد كل نشاط اجلسوا جلسة تقييم قصيرة: ماذا نجح؟ ماذا لم ينجح؟ ولماذا؟ ثم عدّلوا الخطة بدل أن تكرروا الأخطاء.

 

وأسأل الله أن يبارك في جهدك وجهد إخوانك، وأن يرزقكم الإخلاص والبصيرة، وأن يحول كثرة أعمالكم إلى حسن آثار، وأن يجعلكم من الذين يعملون للدين بعلم وحكمة وتخطيط، لا بمجرد الحماس وكثرة الحركة.

 

روابط ذات صلة:

من العشوائية إلى البناء المؤسسي

العمل الدعوي بلا خطة.. كيف أتجنّب العشوائية؟

كيف نخطط مشروعًّا دعويًّا على أساس علمي ورؤية استراتيجية؟

التخطيط الدعوي.. كيف نضمن أثرًا مستدامًا؟

التخطيط الدعوي.. بناء منهج متكامل للدعوة المعاصرة

التعليقات

الرابط المختصر :