الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
80 - رقم الاستشارة : 4468
02/04/2026
اتفقت مع صديق على أن يشتري لي سيارة من معرض بالتقسيط، بحيث يشتريها هو نقداً ثم يبيعها لي بزيادة 20% كربح له. لكن المعرض اشترط أن يسجل السيارة باسمي مباشرة من البداية لأسباب قانونية وضريبية. هل هذه المعاملة تدخل في ربا النسيئة أم أنها مرابحة شرعية صحيحة؟
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فأهلاً بك يا أخي. هذا النوع من المعاملات دقيق جدًّا، والفارق بين "المرابحة الشرعية" وبين "القرض الربوي" شعرة رفيعة تتعلق بملكية المشتري الأول للسيارة وقبضها.
فإذا دفع صديقك المال وسُجلت السيارة باسمك من "المعرض" مباشرة دون أن يصدر للصديق أي فاتورة أو مستند تملك؛ فالعملية هي "تمويل نقدي بزيادة"، وهو ربا صريح مهما تعددت المسميات، ومعاملتك مع صديقك بصورتها الحالية تسجيل السيارة باسمك مباشرة من المعرض لا تزال تفتقر لشرط "التملك والقبض" الذي تقوم عليه "المرابحة للآمر بالشراء".
المرابحة للآمر بالشراء تجوز بشرطين: أن يشتري صديقك السيارة لنفسه أولاً (تدخل في ضمانه)، ثم يبيعها لك بعقد جديد، ويمكن التحايل المشروع على الأوراق الرسمية بعمل عقود ابتدائية بعيدًا عن التسجيل الرسمي الذي يتطلب في كثير من الأحيان دفع رسوم مبالغ فيها.
عقبة التسجيل: إذا سُجلت باسمك مباشرة من المعرض، فقد انعدمت مرحلة "تملك الصديق"، وأصبح دوره مجرد "ممّول" يدفع نقدًا ليربح نسيئة، وهذا هو ربا النسيئة بعينه.
ولكي تصح المعاملة وفق هذا العقد، يجب أن يستلم صديقك السيارة استلامًا حقيقيًّا أو حكميًّا (بأوراق تثبت شراءه هو أولاً) قبل نقل ملكيتها إليك.
القواعد الفقهية الحاكمة في هذه المسألة:
قاعدة "الخراج بالضمان": لكي يستحق صديقك الـ 20% ربحًا، يجب أن يضمن السيارة (لو احترقت أو سُرقت قبل تسليمها لك تكون خسارته هو)، والتسجيل باسمك مباشرة يلغي هذا الضمان عنه.
قاعدة "نهي عن بيع ما ليس عندك": وهي العمدة في المرابحة؛ فلا يجوز لصديقك أن يبيعك السيارة (عقد المرابحة) وهو لم يمتلكها من المعرض بعد.
قاعدة "القبض شرط في صحة البيع": والقبض في السيارات يكون باستلامها أو باستلام أوراق تملكها (الفاتورة) باسم المشتري الأول (الصديق).
آراء العلماء المعاصرين (في المرابحة للآمر بالشراء)
أجاز مجمع الفقه الإسلامي والمؤسسات الشرعية هذه المعاملة بضوابط صارمة:
الوعد الملزم: يجوز أن تعد صديقك بالشراء، ويعدك هو بالبيع (وعد متبادل)، لكن لا يتم "عقد البيع" النهائي إلا بعد تملكه للسيارة.
فصل العقود: يجب وجود عقدين منفصلين تمامًا (عقد بين المعرض وصديقك) ثم (عقد بينك وبين صديقك).
يرى غالبية المعاصرين أن التسجيل باسم المشتري النهائي "مفسد للعقد" لأنه يقطع تسلسل الملكية، إلا إذا وجد وثيقة قانونية (مثل عقد شراء ابتدائي أو فاتورة) تثبت أن الصديق اشتراها أولاً ثم باعها لك، وأن التسجيل المباشر هو "إجراء إداري محض" لا يلغي تملك الصديق للحظة زمنية معتبرة.
آراء العلماء القدامى
الإمام الشافعي: هو أول من وضع نواة هذه المعاملة في كتابه "الأم"، حيث ذكر صورة أن يُريَ الرجلُ الرجلَ السلعة ويقول: "اشترِ هذه وأنا أربحك فيها كذا"، وأجازها بشرط أن يشتريها الأول ويقبضها ثم يبيعها للثاني.
جمهور الفقهاء: شددوا على بطلان "ربح ما لم يضمن"؛ فإذا لم تدخل السيارة في ضمان المشتري الأول بأن تكون باسمه أو في حوزته، فلا يحل له ربح فلس واحد منها.
خطوات تصحيح العقد
لكي تحول هذه المعاملة من "قرض ربوي" إلى "مرابحة شرعية" صحيحة، اتبع هذه الخطوات بدقة:
مرحلة الوعد: اطلب من صديقك شراء السيارة، وعده بأنك ستشتريها منه بزيادة 20% (هذا وعد وليس عقد بيع).
مرحلة شراء الصديق: يذهب صديقك للمعرض ويشتري السيارة بفاتورة باسمه أو عقد بيع ابتدائي، هنا تدخل السيارة في ملكه وضمانه.
مرحلة القبض: يستلم صديقك السيارة أو أوراقها من المعرض.
مرحلة عقد المرابحة: الآن (وليس قبل ذلك) يوقع صديقك معك عقد بيع بالتقسيط (المرابحة).
فإذا أصر المعرض على تسجيلها باسمك، فليكن ذلك بناءً على تنازل أو بيع من صديقك لك (بعد أن اشتراها هو بالفاتورة). المهم أن يثبت ورقيًّا أن الصديق هو "المشتري الأول" من المعرض، ثم هو "البائع الثاني" لك. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
التورق المصرفي المنظم.. بين التبرير والتضليل