الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
17 - رقم الاستشارة : 5877
19/09/2026
هل يجوز تسجيل الحقوق الفكرية للابتكارات التقنية واحتكار بيعها بأسعار مرتفعة تمنع الفقراء من الانتفاع بها؟ وما الحدود الفقهية للتصرف في "حق الابتكار" بين الملكية الفردية والمصلحة العامة؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، تشكل
حقوق الملكية الفكرية، وبراءات الاختراع، والابتكارات التقنية المتقدمة إحدى أبرز
النوازل المعاصرة التي تتعلق بحفظ الأموال والحقوق المعنوية للمبتكرين من جهة،
ومصالح المجتمع العامة وحاجاته الملحة كالأدوية والتقنيات المنقذة للحياة من جهة
أخرى. وقد بادرت نظريات الفقه المعاصر في تأصيل هذه الحقوق ووضع الحدود الضابطة
لها بين تعظيم الملكية الفردية وصيانة المصلحة العامة للرعية، لا سيما في ظل
التكاليف الهائلة للبحث العلمي.
اختصارًا: يجوز
شرعًا حماية حقوق الابتكار وبراءات الاختراع ومنح المبتكر حق استثمارها واحتكار
بيعها لفترة محدودة، تقديرًا لجهده وحفظًا لأمواله وتغطية لتكاليف البحث العلمي
الباهظة التي لا تستمر عجلة التقدم بدونها. غير أن هذا الاحتكار ليس مطلقًا، بل
يقيده دفع الضرر عن الناس ولا سيما الفقراء في الحاجات الضرورية كالطب والعلاج
والتقنيات الأساسية، فلا يجوز تركهم للهلاك أو الحرج الشديد. ويتحقق التوازن
المنشود من خلال حلول تكاملية تشمل: تمويل الأبحاث عبر الأوقاف الإسلامية، وتدخل
الحكومات لشراء براءات الاختراع أو دعمها، ووضع ضوابط سعرية تمنع الاحتكار أو
الاستغلال الفاحش.
وتفصيلاً:
أولاً:
التكييف الفقهي للحقوق الفكرية:
ذهب
جمهور الفقهاء المعاصرين والمجامع الفقهية إلى أن الابتكارات والمصنفات وبراءات
الاختراع لها "قيمة مالية" وحقوق معنوية يحميها الشرع، وليست مباحة لكل
أحد.
جاء
في قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته
الخامسة بشأن الحقوق المعنوية والمالية: "الاسم التجاري، والعنوان التجاري،
والعلامة التجارية، والتأليف، والاختراع أو الابتكار هي حقوق لأصحابها، لها قيمة
مالية معتبرة عرفًا، وحمايتها شرعًا مكفولة، ولا يجوز الاعتداء عليها".
ثانيًا:
الموازنة بين الملكية الفردية والمصلحة العامة:
يرى
المحققون أن حق المبتكر مكفول، لكنه مقيّد بقاعدة دفع الضرر العام. فإذا تعارض حق
المبتكر في الاحتكار الفاحش مع حاجة الناس الضرورية للنجاة من الهلاك كالأدوية
المنقذة للحياة التي يعجز عنها الفقراء، قُدم حق المجتمع وحفظ النفوس على حق
الملكية الفردية، مع وجوب تعويض المبتكر تعويضًا عادلاً لئلا يضيع جهده.
ثالثاً:
معالجة معضلة تكاليف البحث العلمي واستمراره:
أقر
العلماء بأن استمرار عجلة التقدم العلمي وتطوير العلاجات والتقنيات يتطلب إنفاقًا
ضخمًا، وإذا أتيحت الابتكارات مجانًا لكل أحد انقطع تمويل الأبحاث وتوقف المبتكرون
والشركات عن الإنفاق. ولهذا مُنحوا "حق الاحتكار المؤقت" براءة الاختراع
لمدد محددة تنظمها الدولة تشجيعًا لهم وحفظًا لحقوقهم المالية.
رابعًا:
الحلول البديلة والمعاصرة الوقف الإسلامي ودور الحكومات:
الوقف
الإسلامي المعاصر: أكد الباحثون في الاقتصاد الإسلامي أن
صيغة "الوقف الاستثماري والصحي والعلمي" تُعد حلاً إسلاميًّا عبقريًّا
بديلاً؛ حيث يمكن للأوقاف تمويل الأبحاث الضخمة وشراء براءات الاختراع الحيوية
وتقديمها مجانًا أو بسعر التكلفة المخفض للفقراء، لتجتمع مصلحة البحث العلمي
ومصلحة الفقراء.
دور
الحكومات: نصوص السياسة الشرعية وقرارات المجامع تلزم الدول والحكومات بالتدخل لرعاية الرعية
وحمايتها من الاحتكار المهلك، وذلك عبر دعم قطاع البحث العلمي من ميزانية الدولة،
أو التدخل لتحديد الأسعار العادلة، أو شراء حقوق الابتكار وتوفير الأدوية
والتقنيات الأساسية للضعفاء والمحتاجين.
القواعد
الفقهية الحاكمة في احتكار الابتكارات ومنع الفقراء من الانتفاع بها:
قاعدة
«لا ضرر ولا ضرار»: ويُدفع بها الضرر الفاحش الناتج عن
الاحتكار المطلق الذي يمنع الفقراء من الحاجات الضرورية والعلاج.
قاعدة
«يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام»: وتُطبق عند
تعارض حق الملكية الفردية للمبتكر مع حاجة المجتمع الضرورية لحفظ الأرواح، حيث
يُقيّد الاحتكار لصالح العامة مع تعويض المالك عادلًا.
قاعدة
«التصرف على الرعية منوط بالمصلحة»: وتلزم ولي الأمر الحكومة والدولة
بالتدخل لرفع الحرج عن الرعية، ودفع الاحتكار الظالم، وتوفير الحاجات الأساسية
للضعفاء والفقراء.
قاعدة
«تنزل الحاجة منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة»: لتحقيق التوازن
الدقيق بين حفظ أموال المستثمرين والباحثين وحاجة المحتاجين الملحة للتقنيات
والعلوم الحديثة. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: