الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
12 - رقم الاستشارة : 5337
16/07/2026
هل تغيّرت القيم أم تغيّرت وسائل عرض الحياة الخاصة؟ في السابق كان من المعيب أن يُطلع الرجل الآخرين على خصوصيات منزله، فضلاً عن غرفة نومه التي لا يدخلها إلا الزوجان، وكانت مجالس الضيوف منفصلة عن بقية البيت حفاظًا على ستر الأسرة وخصوصيتها.
أما اليوم، فقد أصبحنا نرى على وسائل التواصل رجالًا ونساءً يصورون يومياتهم داخل غرفة النوم، وعلى السرير، ويوثقون تفاصيل حياتهم الخاصة من المزاح والحديث والطبخ والأكل، بل وحتى أمورًا كانت تُعد من خصوصيات الزوجين، ثم تُنشر أمام ملايين الناس.
فهل تغيّرت القيم فعلًا، أم أننا اعتدنا رؤية هذه المشاهد حتى لم نعد نستنكرها؟ وهل مجرد انتشار هذا السلوك يجعله طبيعيًا ومقبولًا؟ وإذا رأينا أبناءنا أو أقاربنا يقلدون هذا النمط، فهل نسكت بحجة أنه أصبح شائعًا، أم نبين لهم أن كثرة الفاعلين لا تجعل الفعل صوابًا؟ وكيف نوازن بين الانفتاح على وسائل التواصل، وبين الحفاظ على الحياء وخصوصية الأسرة؟ وما دور كل واحد منا في أن يبدأ بإصلاح دائرته الصغيرة قبل أن يطالب بإصلاح المجتمع؟
أخي
الكريم، سؤالكم
يفتح أوجاعًا كثيرة، لكنها تدور حول تأثير الرقمية على حالة التبلد القيمي، بعدما
أصبح الكثير لا يعنيه إلا الحصول على الإعجابات، حتى وإن جاءت على حساب الأخلاق
والدين، ومع تكرار مشاهدة تلك التجاوزات، من أشخاص ينقلون ما يجري من خصوصيات تأبى
الفطر السليمة أن يطلع عليها، اعتاد الناس على عدم مقاومة الخطيئة، وتبلدت
حساسيتهم لمقاومة الخطأ.
كيف
يحدث التبلد؟
في
استشارة سابقة بعنوان "التبلد.. لماذا أصاب أفكارنا
ومشاعرنا؟" قلنا إن التبلد يعبر عن حالة من خفوت المشاعر، تنفصل
معها مشاعر الإنسان عما يجري حوله، ومن مسبباته كثرة الاعتياد على مشاهدة أو سماع
شيء معين، فيفقد الشخص حساسيته تجاه.
والحقيقة
أن الرقمية ساهمت في حالة التبلد القيمي وغياب الحس الأخلاقي الذي أصبح متفشيًا،
تشير إحصاءات إلى أنه ينتج ما يقرب من (10) ملايين فيديو إباحي سنويًّا على الإنترنت،
وأن إحدى المنصات الإباحية تحقق (200) ألف مشاهدة في الدقيقة الواحدة كل يوم، وأن
أحد المواقع الإباحية الشهيرة استقبل (42) مليار زيارة عام 2023م،
وأن 78% من زيارات هذه المواقع تأتي من الهاتف الجوال، وأن 35% من عمليات التنزيل
من على الإنترنت هي لمحتوى جنسي، وتبلغ قيمة صناعة المواد الإباحية (97) مليار
دولار سنويًّا، وأنه يوجد (4.8) مليون ممثل إباحي في العالم، وأن معدلات الطلاق
تزيد بمقدار الضعف لمستخدمي المواد الإباحية، وأن 80% من مقاطع الفيديو الإباحية
هي من إنتاج الهواة، أي أن شخصًا له خبرة وجرأة وفجور يستطيع أن ينتج مئات
الفيديوهات سنويًّا بغرض جني الأرباح.
أخي
الكريم،
الأرقام السابقة ذات دلالة لفهم حالة التبلد القيمي الذي يعاني منه المجتمع
المعاصر عالميًّا، فعشرات الملايين من الشباب وغيرهم يشاهدون هذا التدفق الآثم من
المواد الإباحية في أي وقت يريدون، ولا شك أن ذلك يضعف حساسيتهم تجاه الأخلاق
والقيم، ويشجعهم على الجرأة على القيم، ويحسن لهم الفجور، خاصة أن ذلك الفجور أصبح
مصدرًا للثروة والشهرة.
تشير
الدراسات النفسية إلى أن الاعتياد على مشاهدة تلك الإباحيات يؤدي إلى تآكل تدريجي
للقيم، حتى يفقد الشخص حساسيته تجاهها، وأن ذلك يتم على مستويات، منها:
*
مستوى القيم الاجتماعية والأخلاقية: من حيث تقويض القيم الأخلاقية
والدينية، فتتغير معايير الفضيلة؛ إذ تصبح الجرأة الجنسية فضيلة، ويصبح التعري
الكامل انطلاقًا، والعلاقات الجنسية خارج الزواج شيئًا طبيعيًّا، وتتحول المرأة
إلى سلعة، والجنس مصدرًا للثراء، ويصبح الزواج قيدًا والتزامًا غير مبرر، وبالتالي
يجري التطبيع مع السلوكيات الجنسية حتى الشاذة منها، وتشير الدراسات إلى أن
"التعرض المتكرر للمواد الإباحية يشوه التصور العام لما يجب أن تبدو عليه
العلاقات الجنسية والعاطفية".
*
التأثير النفسي والعلاقاتي: فعلى المستوى النفسي، تفقد الفضيلة
دورها كضابط للسلوك، ويفقد الشخص قدرته في السيطرة على نفسه وغرائزه، ليتلاشى حسه
الأخلاقي، فالتكرار وكثافة التجربة في تلك المشاهدات الآثمة يغير كيمياء المخ نحو
القبول بالخطيئة والتطبيع معها، ثم الانتقال للترويج لها وكأنها فضيلة.
وتأتي
العزلة أثناء مشاهدة المواد الإباحية لتشكل حاجزًا مانعًا لتسرب القيم والفضائل
إلى وعي هذا الشخص، ومع الاعتياد على المشاهدة المنعزلة تغيب الفضائل وتصبح
الذات إبليسية لا تفكر إلا في الإشباع الفوري لملذاتها أو التكسب من بث
الفجور على الإنترنت؛ فالخطيئة ترتكب في العقل أولا، ويشعر الشخص بالخزي أمام
نفسه، ثم ينتقل بالخطيئة إلى الدوائر الأوسع.
وختامًا
أخي الكريم، التكيف مع الخطأ والتجاوزات الأخلاقية أصبح سمة في
كثير من الناس الذين يعيشون في ذلك العصر الرقمي، خاصة أن عواقب نشر تلك التجاوزات
أصبح مغنمًا كبيرًا يحقق الثراء؛ لأن الشيء الفج وغير الأخلاقي هو الأكثر قبولاً
ورواجًا.
أما
العلاج أمام ذلك الوحش الرقمي الذي أوجد تبلدًا أخلاقيًّا، فإنه لا يتحقق إلا من
خلال إحياء الضمير، والرقابة الذاتية وتذكير النفس والغير بمسؤولية الكلمة والصورة
والفعل، وأن نمارس الإصلاح في العالم الرقمي من خلال جذب الناس من الخطأ والتكيف
مع السيئ نحو الدعوة للفضيلة والصلاح والنفع والتواصي الفعال للتمسك بالأخلاق
والقيم.
موضوعات ذات صلة:
التبلد..
لماذا أصاب أفكارنا ومشاعرنا؟
كيف نفسر
غياب الضمير في حياتنا؟
الإباحية
اضطراب سلوكي أم انحراف أخلاقي؟
ما دور
الإعلام في التطبيع مع الشذوذ؟