الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
15 - رقم الاستشارة : 5715
28/08/2026
هل الفقر مسؤول عن جنوح البعض نحو الجريمة أم أن دوره هامشي في ارتكاب الجريمة؟
أخي
الكريم، لا شك أن للعامل الاقتصادي تأثيره القوي والمباشر في كم ومستويات ونوعية
الجرائم والمجرمين، رغم إمكانية الحديث عن وجود قدر من التمايز والاختلاف بين
جرائم الأغنياء والفقراء.
وقد
تنبه من قديم الفيلسوف "أرسطو" إلى وجود علاقة بين الفقر وبين الجريمة،
فقال: "الفقر هو أصل الثورة والجريمة"، وهو ما أشار إليه –أيضا-الفيلسوف
الاقتصادي البريطاني "جون ستيوارت ميل" (المتوفى: 1873م) في كتابه
"مبادئ الاقتصاد السياسي" حين أكد في مقولة ساخرة تكشف عن مسؤولية
الدولة في انتشار الجريمة، إذا تزايد الفقراء، فقال: "بما أن الدولة ملزمة
بتوفير سبل العيش للفقراء المجرمين أثناء خضوعهم للعقاب، فإن عدم القيام بالمثل
للفقراء غير المذنبين يُعدّ بمثابة تشجيع للجريمة".
الفقر
والجريمة
تؤكد
الدراسات وجود علاقة قوية بين الفقر والجريمة، فالفقر يغذي الجريمة، ومن ثم يكون
الحد من الفقر هو ركن رئيس في تحقيق أي تقليص للجريمة وتحقيق للأمن، ففي دراسة
أنجرها البنك الدولي، خلصت إلى أن كل ارتفاع 1% في معدل الفقر، يقابله زيادة بنسبة
0.7% في معدل الجريمة.
تؤكد
الدراسات -أيضًا- أنه يترافق مع الفقر الشعور بالتفاوت الاقتصادي، وهذا الشعور
يزيد من حدة التوترات الاجتماعية، ولذلك فإن التوترات والاضطرابات الاجتماعية تكون
ناجمة في غالب الأحيان عن وجود الفجوات المتسعة في الدخل، تشير تقارير لمؤسسة
مؤسسة يوروفاوند (Eurofound)
التابعة للاتحاد الأوروبي إلى أن الفئات المهمشة تشعر بانعدام الأمن، وتعاني من
تدني الرضا عن الحياة، وهذا يتسبب في ازدياد العنف بدءًا من العنف الأسري حتى عنف
العصابات.
وفي
دراسة نشرت في سبتمبر عام 2025م عن عدم المساواة والجريمة ذكرت أن هناك دراسات
تؤكد وجود علاقة بين التفاوت الاقتصادي وبين الجريمة بشكل ملحوظ؛ فالتحولات في
توزيع الثروة وتركزها، والتنافس على الموارد، والحرمان الاقتصادي المصاحب لهذه
التغيرات، يؤدي إلى ازدياد السلوك الإجرامي.
الجريمة
وسيلة للبقاء
والحقيقة
أن الفقر في كثير من الأحيان، إذا اقترن بوجود تفاوت غير عادل في توزيع الثروة
والدخل، وانتقال هذا التفاوت إلى مساحة الوعي، فإن ذلك قد يكون محفزًا على ارتكاب
الجريمة؛ فالفقر قد يدفع إلى ارتكاب الجريمة كوسيلة للبقاء، كما أن الفقر يؤدي إلى
تراجع فرص التعليم، وتقليل إمكانية الحصول على تعليم جيد، وهو ما ينعكس في مستويات
ونوعيات الأعمال التي من الممكن أن يقوم بها الفقراء، وفي ظل غياب البديل
الاقتصادي لكسب العيش الكريم، قد تكون الجريمة بابًا موهومًا للتحسين المؤقت
لمستوى المعيشة، رغم عاقبتها القانونية والعقابية، ومن ثم قد يكون الفقر مجالاً
للجريمة المستمرة.
ويلاحظ
أخي الكريم أن الفقر قد يؤدي إلى عزلة اجتماعية، والعزلة قد تكون بيئة خصبة
للأفكار الإجرامية خاصة إذا اقترنت العزلة بالتفكك الاجتماعي، وندرة الفرص في
المجتمع.
وختامًا
أخي الكريم، يجب أن تلاحظ جيدًا أن العلاقة بين الفقر والجريمة ليست علاقة سببية
مباشرة، ولكن هناك أسباب تساهم في أن يكون الفقر بيئة للجريمة، مثل اقتران الفقر
بغياب العدالة الاجتماعية والتوزيعية، والفجوات بين الطبقات الاجتماعية، وضعف
التنمية وقلة الفرص، وضعف الوازع الأخلاقي والديني، وتفشي الفساد، ومن ثم فما دام
الفقر جاثمًا على الصدور ستكون الجريمة موجودة وطريقًا مطروقًا لا محالة.
موضوعات
ذات صلة:
هل الإحساس بالفقر نقص إمكانات أم توحش رغبات؟
ما هي أخلاق الفقر وتأثيرها على المجتمع؟
هل يدفع الملل لارتكاب الجرائم؟
هل تساهم التغطية الإعلامية للجريمة بارتكابها؟