الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
20 - رقم الاستشارة : 5800
07/09/2026
هل تغيرت الصداقه مفهوما وعلاقات وتفاعل في العصر الرقمي وهل يمكن أن تصبح صداقة افتراضية لا إنسانية؟
أخي الكريم، ليست الصداقة وحدها هي التي تغيرت في العصر
الرقمي، ولكن العلاقات الإنسانية يُعاد هيكلتها وتُعاد طريقة ممارستها في ظل
الرقمية، تلك التكنولوجيا التي استحوذت على الإنسان منذ أن يفتح عينيه مع
الاستيقاظ حتى إغماضها.
قبل أكثر من ألفي عام كتب الفيلسوف "أرسطو" عن
الصداقة وميز بين أنواعها، ففرق بين صداقة المنفعة، وصداقة المتعة، وصداقة
الفضيلة، واعتبر أن صداقة الفضيلة هي الأندر والأفضل؛ لأن كلا الطرفين يحب الخير
للآخر.
لكن في العصر الرقمي أصبحت الصداقة مفهومًا فضفاضًا، حتى
اقتربت من فقدانها لمعناها القديم، نحو معان أخرى تتعلق بمتابعة المنشورات
والتعليقات الإيجابية عليها، فقد حدث تحول عميق لمفهوم القرب في الصداقة ليتجاوز
التقارب المادي والمباشر ليكون تقاربًا وفق منطق العالم الافتراضي.
تراجع الصداقة
أخي الكريم، الصداقة كرابطة إنسانية واجتماعية قائمة على
المودة والمحبة المتبادلة، والإخلاص والمساندة والتعاون والتآزر، إلا أنها تغيرت
في العصر الرقمي فأصبحت تتم من خلال الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح
الأصدقاء بالمئات وربما الآلاف، ولم تعد اللقاءات المباشرة والمساندة مؤشرًا على
الصداقة؛ بل يكفي أن يعلق الشخص على منشور صديقه أو يمنحه الإعجاب.
في سبتمبر 2026م نشر معهد أبحاث السياسات العامة
البريطاني "IPPR" تقريرًا
بعنوان "الجيل الأكثر وحــدة" كشف عنه معاناة الشباب البريطاني بسبب
غياب الأصدقاء قال واحد من كل 20 شابًّا تتراوح أعمارهم بين 16 و21 عامًا إنه لا
يملك أي أصدقاء مقربين، مقارنة بواحد من كل 100 قبل أكثر من عقد، ما يمثل ارتفاعًا
بمقدار خمسة أضعاف.
وأكد التقرير كذلك أن جودة الصداقة تراجعت، هي الأخرى،
من وجهة نظر الشباب أنفسهم، فانخفضت نسبة من تتراوح أعمارهم بين 14 و15 عامًا
الذين قالوا إنهم "سعداء تمامًا أو جدًّا" بصداقاتهم من 86% إلى 76%.
وذكر التقرير أن أسس المراهقة الجديدة تتآكل، مما يجعل
الشباب أكثر انفصالاً عن أنفسهم وعن بعضهم البعض وعن المجتمع الأوسع، وهو ما يعني
أن الشباب باتوا أكثر عزلة عن بعضهم البعض، وهو ما يؤثر على قدراتهم العقلية، ثم الإنتاجية
بعد ذلك، ومن الأسباب التي ذكرها التقرير عن تراجع الصداقة هو تأثير مواقع التواصل
الاجتماعي.
كيف أثرت الرقمية على الصداقة؟
أخي الكريم، أثرت الرقمية على الصداقة تأثيرًا كبيرًا،
إذ جعلت الحيز الذي تدور فيه الصداقة هو العالم الافتراضي، وأخذ مفهوم المكانية
يتراجع وربما يتلاشى في الصداقة، هذا التغير الكبير وسع مساحة الأصدقاء وأعدادهم
بصورة غاية في الاتساع حتى أصبح المفهوم التقليدي للصداقة يقترب من التلاشي، فأصبحت
المساندة والتهنئة والتعزية تقتصر على الإعجابات والتعليقات والأشكال التي تمنحها
الرقمية بين الأصدقاء، فصرنا أمام تفاعلات آلية متكررة بلا روح أو معنى حقيقي.
كذلك أصبحت الذات هي المرآة التي لا يريد الشخص ألا تغيب
عن عينيه، ففي العالم الرقمي يسعى الشخص لإثبات حضور ذاته، وتسويقها للآخرين،
ومحاولة كسب المنافسة الشرسة لتحصيل المتابعين، هذا الانجراف النفسي أوجد صداقات
شديدة الهشاشة، وصداقات يمكن إنهاؤها بضغطة زر واحدة.
في العالم الرقمي انتقل مفهوم الصداقة من المشاركة
والتفاعل الإيجابي والتلاقي المباشر، إلى مساحات المقارنة، والتي باتت هي الروح
الطاغية في العالم الافتراضي، ومع المقارنة تنمو العوائق النفسية للصداقة من غيرة
وحسد وتنافس وتباغض، ومن ثم لم تعد الصداقة التقاء أرواح وطباع وأخلاقيات
وسلوكيات، واعتراف بإنسانية الشخص، كذلك أصبح الشخص يدير صداقات اكتسابًا وفقدانًا
من غرفته أو من خلال هاتفه الذكي وهو في شبه عزلة عن التواصل المادي معهم.
موضوعات
ذات صلة:
ما علاقة الرقمية بانتشار روح الحسد؟
كيف أضعفت الرقمية دور الأب في التربية؟
هل غيرت الرقمية إدراك الإنسان لذاته؟
الرقمية هل رسخت المادية بين الشباب؟