هل قدم الفكر تفسيرًا للإدمان؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 292
  • رقم الاستشارة : 3169
02/11/2025

انتشار الإدمان أصبح بصورة مرعبة للغاية بين الشباب، هل يمكن تفسير ذلك من الناحية الفكرية؟

الإجابة 02/11/2025

أخي الكريم، غالبية مشكلات الإنسان وأخطائه وأزماته نتاج لتصوراته وأفكاره، وكما يقولون "الصورة نتاج التصور"، فتصور الشخص للإدمان له دوره في وقوعه أو مقاومته للإدمان.

 

الإدمان لا شك أنه انحراف سلوكي بجانب كونه انحرافًا فكريًّا، ولا يعني الانحراف الفكري هو أن الشخص لا يعلم خطورة المخدرات وعقوبتها وتدميرها للإنسان، ولكن لم تحول تلك المعرفة النظرية إلى سلوك يكبح التعاطي والإدمان.

 

مرض دماغي أم انحراف أخلاقي؟

 

الدراسات الحديثة في علم الأعصاب والدماغ تنظر للإدمان على أنه مرض دماغي، لكن هذا الاتجاه لا يعني إلغاء المسؤولية الاختيارية والأخلاقية للإنسان عن التردي في هذا المستنقع.

 

والحقيقة أن المسبب الأساسي الذي يقود للإدمان وإلى الاستمرار في التعاطي يتعلق بالإرادة؛ فالشخص الذي تضعف سيطرته على إرادته، يبحث عن طمأنينة أو سعادة من خلال التعاطي.

 

والإرادة هي العزم والقوة النفسية والقصد الواعي لتحقيق هدف معين، وينظر علم النفس للإرادة على أنها عملية معرفية، أما الفسلفة فتنظر إليها كإحدى القدرات التي يتمتع بها العقل، وتربط الفسلفة الأخلاقية بين الإرادة وحريتها وبين المسؤولية.

 

تشير الدراسات إلى أن كل فعل مكتسب، سواء كان اجتماعيًّا أو حتى معاديًا للمجتمع، قد يكون مدفوعًا بظروف اجتماعية تتعلق بنقص الموارد أو دور المعايير الاجتماعية في التأثير على السلوك والأفكار، أو ضغط الأقران والأصحاب، لكن تبقى الإشكالية أن بعض الأشخاص يقاوم تلك الضغوط ويجعلها حافزًا لتنمية ذاته، وآخرون يستسلمون لها ويمضون معها إلى نهاية الطريق فيقع بعضهم في الجريمة والآخر في الاكتئاب أو الإدمان.

 

وقد دار نقاش طويل حول تكييف الوضع الأخلاقي للإدمان وفق أحد منظورين:

 

أولهما: أن الإدمان مرض دماغي، وهذا التصور يعفي الشخص من المسؤولية الأخلاقية، لأنه يضفي الطابع الطبي أو المرضي على الإدمان.

 

وثانيهما: أن الإدمان ضعف إرادة، وهذا التصور يؤكد المسؤولية الأخلاقية، ويُدين من يقع في الإدمان.

 

لكنْ هناك اتجاه ثالث تقترحه البروفسورة "هانا بيكارد" أستاذة الفسلفة والأخلاق الأمريكية، والتي تخصصت في دراسة أدبيات الإدمان طيلة عشر سنوات، وأكدت أنه لا توجد حالتان متماثلتان من حالات الإدمان، ولا يوجد تفسير واحد يمكن تطبيقه على الجميع، لذا انصب جزء كبير من دراساتها على حالة ما قبل الإدمان، حيث رأت أن الفكرة التي دفعت البعض للتعاطي هي وجود فوائد إيجابية للمخدرات.

 

ومن هذا المدخل رأت أن تغيير فكرة الشخص بأن هناك تكاليف مدمرة ومفجعة للإدمان قد تكون سببًا في التعافي، فترى أن "الإدمان شكل من أشكال اللاعقلانية"، وهذا يفرض حل لغز ما قبل الإدمان للشخص بالمقارنة بين الفوائد والخسائر، مع استحضار منظومة القيم الرافضة للإدمان.

 

والحقيقة أن اتخاذ القرار عملية عقلية، وعندما يتخذ العقل القرار، وتوجد النية للفعل، فإن هذا يحفز الجسم على إطلاق بعض الهرمونات والتغيرات الكيميائية في الجسم، ومن هنا فإن إرادة الإنسان وأفكاره وتصوراته ذات ارتباط وثيق بالإدمان ليست منفصلة عنه.

 

هدم الأفكار المغلوطة

 

يذهب البعض إلى أن للمخدرات وظائف نفسية، من بينها بناء وهْم بالقدرة على إخفاء آلام النفس وضعفها وأزماتها، وهنا يبني الشخص تصورًا أن الإدمان قادر على تحقيق ذلك الإخفاء.

 

رأى بعض علماء النفس أن من أول عوامل خلق التعافي من الإدمان هو هدم تلك الفكرة المعلوطة؛ لأن هذا الهدم يضع الإدمان في دائرة الرفض النفسي وليس كون الإدمان ملاذًا آمنًا لتحقيق ذلك الإخفاء النفسي لتلك الآلام، كذلك بناء الأفكار الدفاعية الداخلية للإنسان نحو التمسك بالإرادة في التعافي.

 

وجود تلك الإرادة والنية والعزم داخل النفس يطلق في الجسد حالة كيميائية تحفز على التعافي وتهيأ له أسبابه الفسيولوجية، ويجعل استسلام الشخص للإدمان عملية صعبة، سواء بالتعاطي أو بالانتكاس من جديد إلى الحالة الإدمانية.

 

ومن الأفكار المغلوطة التي تقود إلى الإدمان:

 

* أن التعاطي دليل على أن الشاب أصبح رجلاً، وأن هذا يفرض عليه تعاطي المخدرات التي يتصورها البعض العالم السحري للكبار.

 

* الإحساس بالمعنى: يلجأ البعض للتعاطي الذي هو بوابة الإدمان ظنًّا أن ذلك يحقق المعنى للشخص خاصة في مناسباته، لهذا يكثر تناول المخدرات في الأفراح والمناسبات والأعياد كأن هذا يخلق المعنى لتلك المناسبة، وتحطيم تلك الفكرة والتقليد يساهم في حصر التعاطي والإدمان في مساحات ضيقة.

 

* مقاومة تصور الملل: الملل من الحالات النفسية المتفشية في ذلك العصر لاعتبارات متعددة، وهو باب لأزمات نفسية وانحرافات إجرامية كثيرة، وبعض الأشخاص يتصور أن مواجهة الملل يكون بتغييب الذات، وذلك في حالات الملل الوجودي وفقدان المعنى والغاية، ومن هناك فخلق تصور جديد بأن علاج الملل لا يتأتى من خلال تغييب الذات، ولكن من خلالها إحضارها وإبرازها في تحقيق أهدافها والنفع العام والخاص هو أحد التصورات الذهنية الأساسية للتعافي من الإدمان؛ بل ومقاومة الوقوع فيه ابتداء.

 

روابط ذات صلة:

كيف نواجه الملل؟

هل يدفع الملل لارتكاب الجرائم؟

كيف يحقق الدين الطمأنينة والسعادة للناس؟

الرابط المختصر :