الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
72 - رقم الاستشارة : 4121
16/02/2026
أنا صاحب الاستشارة المنشورة بعنوان: (الإباحية: اضطراب سلوكي أم انحراف أخلاقي؟) رقم 4111 أكتب إليكم لأنني شعرت أن الإجابة المقدمة ابتعدت عن جوهر الأسئلة المطروحة وتناولت تعريفات وتمهيدات عامة حول علم النفس والإباحية لم تكن محل الإشكال أصلا بينما لم يتم تناول الأسئلة المركزية التي طرحتها بصورة مباشرة وتحليلية دقيقة. سؤالي لم يكن متعلقا بتعريف الإباحية ولا بنشأة علم النفس ولا بتوصيف عام للواقع الأخلاقي وإنما كان سؤالا محددا يتمحور حول النقاط الآتية:
1. ما طبيعة العلاقة بين المنهج النفسي ذي الخلفية المادية وبين قضية التوحيد والاعتقاد؟
2. هل يترتب على تبنّي توصيف «الاضطراب السلوكي» لوازم عقدية قد تتعارض مع مفهوم المسؤولية الشرعية؟
3. هل يمكن الاستفادة من أدوات العلاج النفسي دون التسليم بالإطار الفلسفي الذي نشأت فيه؟
4. ما الحد الفاصل بين المعالجة السلوكية المشروعة وبين تحويل القضية من دائرة الذنب والمسؤولية إلى دائرة الحتمية المرضية؟
5. إذا أُقِرّ بوجود تعارض بين صحيح الاعتقاد وبعض العلاج النفسي فكيف يُفسَّر نجاح الطبيب غير المسلم في علاج المريض النفسي؟
أرجو التكرم بإعادة تناول الاستشارة والإجابة على الأسئلة كما وردت نقطة نقطة مع بيان منهجي واضح ومباشر دون التوسع في تعريفات أو تمهيدات عامة لا تمس جوهر الإشكال المطروح. شاكر ومقدر لجهودكم وأتطلع إلى إجابة علمية دقيقة تعالج الأسئلة كما صيغت. وجزاكم الله خيرًا.
أخي الكريم، لا شك أن هناك علاقة وثيقة بين المعتقد وبين منهج التحليل النفسي، وهذا الاعتقاد لا يقتصر فقط على علم النفس وعلمائه ومتخصصيه، ولكن يشمل أيضًا الأشخاص الذين يتم التعامل مع مشكلاتهم وأزماتهم النفسية وتعديل سلوكياتهم.
عقلانية الدين
وكما تحدثنا في استشارة سابقة أن نشأة علم النفس جاءت بعيدة عن الجوانب الاعتقادية، وساعية ليكون علم النفس بديلاً للدين في فهم النفس وعلاجها، وهذا ما أوجد تنحية لكل ما هو ديني في فهم النفس وعلاجها، ومن ثم جاءت المناهج في تلك العقود الطويلة السابقة لا تُلقي بالاً للدين، ولا تعتبره ركنًا من العلاج النفسي، بل كانت تعتبر الدين جزءًا من الأزمة النفسية، ولذا نظرت تلك المناهج السابقة في علم النفس إلى الدين نظرة استخفاف واستهانة؛ بل وفي بعض الأحيان نظرة عداء وإبعاد.
ويلاحظ وجود نظرة استمرت لعقود في مناهج علم النفس أن المعتقدات غير عقلانية؛ لأنها لا يمكن إخضاعها لمناهج البحث العلمي، ومن ثم وضعت تلك المناهج المعتقداتِ، وفي مقدمتها الأديان، خارج إطار البحث العلمي.
وتأتي مدرسة التحليل النفسي التي وضع أسسها "فرويد" كنموذج لهذه الرؤية، فنجد موقفه متجنيًا على الدين بشكل صريح، فانتقد ميل بعض المرضى النفسيين إلى الدين، وقال: "الدين وهم، ويستمد قوته من استعداده للتوافق مع دوافعنا الغريزية ورغباتنا"، كما فسر لجوء بعض المرضى النفسيين إلى التدين بأنه نوع من الوهم المتصف بالهدوء، والذي يخفي حقيقة المرض النفسي، ورأى أن الدين يتجاوز مرحلة الوهم ليفاقم من المرض النفسي، مشبهًا الدين بالعصاب الطفولي (يقصد بالعصاب الطفولي العُقد التي تنشأ في الطفولة وتؤثر على مسار الشخصية) وأن الدين ليس أداة للمعرفة النفسية.
الإلحاد وعلم النفس
مدرسة التحليل النفسي، كان لها موقف شديد السلبية تجاه الدين، وكل ما هو غيبي، وفي ورقة بحثية بعنوان "سؤال الدين والإلحاد عند مدرس التحليل النفسي" للباحثة المغربية الدكتورة "فاطمة أزحيمي" ذكرت أن "فرويد" كان يرى أن الإلحاد نتيجة لازمة للتحليل النفسي؛ ففي كتابه "مستقبل وهم" رأى أن الدين آلية للدفاع النفسي، مع حالة الخوف التي تعتري الإنسان من الطبيعة، وأن الحاجة إلى التدين والإيمان بالخالق سبحانه وتعالى هي حاجة طفولية إلى الحماية، وتلك الحماية يسقطها الإنسان في جميع مراحل حياته بدءًا من الأم وانتهاء بالإيمان بقوة "مجهولة" أو الإله.
ومعنى ذلك أن فكرة إنكار الخالق سبحانه وتعالى، واعتبار أن الدين ما هو ظاهرة اجتماعية طورها الإنسان منذ خطواته الأولى على الأرض، أي أن الدين منتج بشري، وعلى هذا يصبح الدين توهمًا، وهذا التوهم منبعه الأساسي الرغبات البشرية، وهذا ما جعل الدين بعيدًا لعقود طويلة عن ساحة التحليل النفسي.
أما ما يتعلق بقضية التوحيد فيرى فرويد في كتابه "موسى والتوحيد" أن موسى عليه السلام أخذ فكرة التوحيد من التاريخ المصري، وبالتالي فإن الحضارة المصرية هي من نبّهت موسى إلى التوحيد، وليس أن موسى عليه السلام كان نبيًّا مرسلاً من الله تعالى.
حتى قضية التوحيد التي تحدث عنها فرويد في التحليل النفسي رأى أن منبعها هو الإيمان بالفرعون الذي يمارس سلطة مطلقة، وليست تطورًا روحانيًّا ينفي تعدد الآلهة نحو إله واحد.
ونشير هنا إلى استطلاع للرأي جرى عام 1933م بين علماء النفس حيث أقر 10% بوجود الله، وكانت نسبة علماء النفس هي الأقل بين العلماء حول هذا السؤال، فقد أشار 27% من علماء الأحياء، و38% من علماء الفيزياء إلى وجود الله، أي علماء النفس كانوا هم الأكثر إلحادًا، ولذا كانت مناهجهم في علم النفس تعبر عما يعتقدون فيه ويؤمنون به.
وقد تكرر هذا الاستطلاع مرة أخرى عام 1956، وأظهر أن 23% يؤمنون بوجود الله، و52% من علماء الفيزياء، 47% من علماء الأحياء، ومن ثم كان علماء النفس منذ نشأة هذا العلم هم الأدنى في الاعتراف بوجود الخالق سبحانه وتعالى، ولعل ذلك يرجع في أحد التفسيرات إلى أنهم يرون أن علم النفس ما هو إلا منافس للدين في فهم الإنسان وتوجيهه.
موضوعات ذات صلة:
الإباحية اضطراب سلوكي أم انحراف أخلاقي؟
كيف تؤثر ثقافة الترند على خضوع العقل؟
هل اهتمت الحضارة الإسلامية بعلم النفس؟