هل يحق للأب العفو عن قاتل أبنائه لأن الجاني أمه؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
  • القسم : الحدود والجنايات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 23
  • رقم الاستشارة : 6292
04/11/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قامت سيدة بحقن أحفادها (أولاد ابنها) بمادة الكلور السامة التي قتلتهم في الحال، ولكن لتخفيف العقوبة الجنائية ذهب ابنها والد الأطفال وتنازل عن حقه المدني، وهللت جموع من العوام لفعله، وهناك عدة أسئلة تدور في الذهن بخصوص هذه الواقعة ومنها:

هل يجب شرعا القصاص من هذه المرأة؟

وهل لتنازل ابنها عن حقه أثر على الحكم الشرعي؟

وهل يجوز له أصلا التنازل عن حق أولاده بمفرده؟

وماذا لو رفضت أم الأطفال العفو عنها؟

الإجابة 04/11/2026

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، هذه الجريمة من أشنع الكبائر وأعظم المنكرات، إذ جمعت بين قتل النفس العمد الذي حرمه الله، وقطيعة الرحم، وخيانة الأمانة، والشريعة الإسلامية توازن في مثل هذه النوازل بين إقامة العدل، وحفظ حقوق الأولياء، ومراعاة الروابط الأسرية الأصلية، مع حفظ حق المجتمع في ردع الجرائم البشعة عبر التعزير والعقوبات المشددة من ولي الأمر.

 

اختصارًا:

 

شرعًا لا يُطبق حكم القصاص بالإعدام على الجدة عند جمهور الفقهاء، بل تجب الدية المغلظة وتُعزر بعقوبة شديدة يقررها ولي الأمر كالسجن المؤبد مثلاً.

 

واختلف مالك في المسألة مع الجمهور فيرى وجوب القصاص إن ثبت أن القتل لم يكن خطأ ولا شبه عمد، وللإمام ونائبه أن يرجح الرأي الأوفق للرعية، فيمكنه الأخذ برأي مالك إن رأى أن فيه صلاحًا ودفعًا للمفسدة ودرأ للفتنة والفساد.

 

تنازل الابن والد الأطفال يسقط حقه المالي فقط من الدية، ولا يلغي العقوبة التعزيرية فهي عقوبة الحق العام، وتنازل أحد أولياء الدم عن القصاص يسقط حق البقية، ويكون خيارهم بين الفدية أو العفو.

 

لا يجوز للابن التنازل عن حق بقية الورثة كأم الأطفال بمفرده، فإذا رفضت الأم العفو، فإن حقها ثابت في استيفاء نصيبها الشرعي من الدية المغلظة عن كل طفل، ولا يملك أحد إسقاط حقها.

 

وتفصيلاً:

 

الأثر النفسي والاجتماعي ودور المجتمع في علاج هذه الحوادث

 

قبل الدخول في تفاصيل الحكم الشرعي لنا كلمة، فإن هذه الحادثة المفجعة سوف تترك جرحًا غائرًا في الوجدان المجتمعي كله؛ إذ تزلزلت واحدة من أقدس الركائز الإنسانية وهي "الأمان الأسري"، فالجدة في الوعي الجمعي هي رمز الحنان والملاذ الآمن للأحفاد، وانقلاب هذه الفطرة إلى ارتكاب جريمة قتل مروعة يولد صدمة عنيفة تهدد ثقة المجتمع في روابطه الأساسية، ولا أحسب أن عاقلاً يُقدِم على هذا وهو في قواه العقلية.

 

وفي قلب هذه المأساة، تقف أم الأطفال المكلومة التي فقدت فلذات كبدها غدرًا على يد من يُفترض أن تكون مأمنًا لهم، وهو ما يوجب شرعًا وعقلاً واجتماعيًّا احترام حزنها العميق وتقديس غضبها الفطري؛ فلا يجوز ممارسة أي ضغط نفسي أو اجتماعي عليها للتنازل أو العفو، بل يجب احتواء ألمها الذي يفوق الوصف ومساندتها في التمسك بحقها الشرعي دون أي لوم أو استنكار.

 

ويقابل هذا الألم تعقيد نفسي بالغ القسوة يعتصر قلب الأب، فهو يقف ممزقًا في تقاطع مأساوي بين أبوته المفجوعة بأبنائه، وبين بنوته التي تجعله مكبلاً تجاه أمه رغم شناعة جرمها.

 

وهذا يتطلب توازنًا دقيقًا في تفهم موقفه وصراعه الداخلي المرير، دون أن يكون قراره بالعفو مبررًا لهضم حق زوجته أو الاستهانة بمشاعرها؛ فقراره يخصه وحده ولا يصح أن يُفرض على الزوجة بأي حال من الأحوال.

 

وأمام هذه النازلة المعقدة، يتجلى دور المجتمع ومؤسساته في توفير حماية نفسية واجتماعية للزوجين بعيدًا عن فضول العوام، ومنع تأجيج الشائعات أو الاستغلال الإعلامي الذي يقتات على جراح الأسرة المحطمة، مع ضرورة إعلاء صوت العدالة بإنفاذ عقوبة "الحق العام" لردع الجريمة وبث الطمأنينة في النفوس، وتوجيه الخطاب الديني والإرشادي لترميم الثقة الأسرية والتأكيد على أن هذه الحوادث الشاذة، مهما بلغت بشاعتها، لا تمثل الأصل السوي للفطرة الإنسانية.

 

حكم القصاص من الجدة:

 

ذهب جمهور العلماء الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الأصل الأب والأم والأجداد والجدات وإن علوا لا يُقتلون بالفرع الأبناء والأحفاد وإن نزلوا، لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يُقاد الوالد بالولد" رواه الترمذي وابن ماجه.

 

ويقول ابن قدامة المقدسي في كتابه "المغني": والأجداد والجدات، من قبل الأب أو من قبل الأم، وإن علوا، كالأب في منع القصاص. وعلة ذلك أن الجدة كانت سببًا في إيجاد والد الأطفال، فينبغي ألّا يكون الفرع سببًا في إعدامها.

 

وخالف المالكية في ذلك، حيث يرون أن الأصل يُقتل بالفرع إذا قتله عمدًا محضًا لا شبهة فيه للتأديب كأن يذبحه أو يسممه، وفي هذه الحالة المعروضة، يرى المذهب المالكي وجوب القصاص، ولكن الفتوى والقضاء في أغلب الدول الإسلامية يجريان على مذهب الجمهور بدرء القصاص بشبهة الأبوة الأمومة، والاستعاضة عنه بالدية والتعزير.

 

أثر تنازل الابن عن حقه:

 

الابن أبو الأطفال هو أحد أولياء الدم والورثة وتنازله يعتبر عفوًا عن نصيبه الشرعي من الدية المغلظة الواجبة على الجدة، ولا يملك التنازل عن الحق العام، يقول الإمام النووي في "منهاج الطالبين": ويصح عفو بعض المستحقين... ويسقط القصاص. ولأن القصاص ساقط ابتداءً هنا، فإن العفو ينصرف إلى حصته من التعويض المالي.

 

مدى جواز تنازل الابن عن حق أولاده بمفرده:

 

لا يملك الأب شرعًا إسقاط حقوق بقية الورثة. أولياء الدم هنا هم ورثة الأطفال الأب، والأم، وإذا وجد إخوة بشروط الميراث، الجدة القاتلة هنا تُمنع من الميراث إجماعًا لقوله ﷺ: "ليس للقاتل شيء" رواه أبو داود. وبالتالي، إسقاط الأب لحقه هو تصرف في حصته من الميراث فقط، ولا يسري على نصيب الزوجة أم الأطفال أو غيرها من الورثة إن وجدوا.

 

حكم رفض أم الأطفال للعفو:

 

إذا رفضت أم الأطفال التنازل، فإن حقها الشرعي والمادي يظل قائمًا وثابتًا، فيحق لها المطالبة بنصيبها الشرعي من دية القتل العمد المغلظة عن كل طفل تم قتله. ونصيب الأم من ميراث أبنائها في بين السدس إن كان للميت إخوة منها أو من غيرها، أو الثلث إن لم يكن له إخوة، من دية كل طفل، وتلزم الجدة أو عاقلتها بدفع هذا النصيب للأم، ولا يملك الأب ولا القاضي إجبارها على التنازل.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في العفو عن القاتل:

 

 

لا يُقتل الأصل بالفرع: قاعدة مطردة عند الجمهور تمنع القصاص من الآباء والأمهات والأجداد والجدات.

 

القاتل لا يرث: قاعدة تمنع الجدة من أخذ أي نصيب من تركة أو دية الأحفاد المقتولين.

 

الولاية في الدم لجميع الورثة: حق المطالبة بالدم أو الدية يثبت لجميع الورثة كلٌ بقدر نصيبه في الميراث.

 

إسقاط البعض لا يسقط حق الباقين في الدية: عفو أحد الورثة يسقط حقه الخاص، ويبقى حق الرافضين للعفو محفوظًا في الدية.

 

الحق العام لا يسقط بالعفو الخاص: تنازل الورثة لا يمنع الحاكم من إنزال عقوبة تعزيرية قاسية بالقاتل زجرًا له وحماية للمجتمع. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

الغيرة القاتلة والخبز المسموم

حرمان قاتل الخطأ وشبه العمد من الميراث

التعليقات

الرابط المختصر :