الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : العائلة الكبيرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
339 - رقم الاستشارة : 3102
01/11/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا فتاة في منتصف الثلاثين من عمري، أعيش مع والدي وزوجته بعد وفاة والدتي رحمها الله. منذ رحيل أمي تغيّرت حياتي تمامًا، فوالدي الذي كان حنونًا ومتفاهمًا أصبح قاسيًا ومتسلطًا، وكأن وفاة أمي كسرت شيئًا بداخله.
وبعد فترة قصيرة من وفاتها، تزوّج من زوجة عمي المتوفى، ومنذ ذلك الوقت لم أجد في بيتي راحة أو أمانًا. زوجة أبي تعاملني بقسوة وإهانة، وتجعلني أشعر وكأنني غريبة في بيتي، بل تحاول دائمًا أن تُظهرني أمام الناس بمظهر الفاشلة أو "العانس". ومع الأسف، تشجّع والدي على معاملتي بجفاء.
قبل أيام، حاولت عائلتي إجباري على الزواج من رجل في الستين من عمره فقط لأنه "فرصة قد لا تتكرر" — على حد قولهم — متناسين أن الزواج ليس صفقة أو سترًا شكليًا، بل ميثاق يقوم على القبول والرحمة.
في أثناء النقاش، تلفظت زوجة أبي بكلمات جارحة قالت لي فيها: "أنتِ عانس، والمفروض تقبلي بأي شيء!" كلماتها كانت كالسهم في صدري، فأنا لم أرفض الزواج من باب الغرور، بل من باب الوعي والرغبة في حياة كريمة.
رددت عليها بهدوء ولكن بجرأة، فغضب والدي وصفعني أمام الجميع، وأجبرني على الموافقة على الزواج، مهددًا إياي إن لم أوافق.
أنا الآن في حيرة شديدة وخوف وقلق… لا أريد أن أُغضب أبي، لكنني أيضًا لا أستطيع أن أقبل زواجًا بهذه الطريقة، ولا أحتمل فكرة أن أُسلَب حقي في الاختيار وكأن حياتي لا تخصني. أشعر أنني منهارة من الداخل، وأفكر أحيانًا بالهروب أو بالسكوت، لكن لا أعلم ما هو الصواب.
أرجو منكم، يا دكتورة، أن تنصحوني: كيف أتعامل مع والدي دون أن أخسره، ودون أن أظلم نفسي في زواج لا أريده؟ وهل من حقي أن أرفض هذا الزواج رغم ضغوطهم جميعًا؟ وما الطريقة الصحيحة لحماية نفسي نفسيًا واجتماعيًا في ظل هذه الظروف؟ جزاكم الله خيرًا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة في موقعك البوابة الإلكترونية للاستشارات...
أشعر بك –غاليتي- وبألمك وحزنك، فأنت لم تتجاوزي صدمة الفقد بسبب وفاة والدتك ثم تغير معاملة والدك معك بعد زواجه حتى جاءت هذه الأزمة الأخيرة لتضاعف عليك الألم، وأريد أن تقولي معي الآن بصوت مرتفع "إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها"، وثقي تمامًا أن الله سبحانه وتعالى سيجبرك ويعوضك عن هذا الألم الذي تشعرين به.. فقط سنأخذ بالأسباب ونتوكل على الله.
أختي الكريمة، أريدك أن تأخذي حمّامًا دافئًا وتجلسي في غرفتك تستغفرين الله ما لا يقل عن ألف مرة وتصلين على النبي ألفًا، وسوف تشعرين بعدها براحة فورية وانشراح في القلب وستجدين أن طاقتك على التحمل ارتفعت بشكل كبير، ويمكنك أن تكرري هذا كل ليلة مرة تقضين الأمسية في قراءة القرآن ومرة في الصلاة والدعاء، المهم ألا تنامي إلا بعد أن تهدأ روحك ويطمئن قلبك.
اختيار الزوج
في البداية دعينا نعترف أن الزواج رزق مثله مثل المال، بل إن الحصول على المال له طرق معروفة وواضحة، أما الحصول على زوج فهو أمر قدري تمامًا، ولا معنى لكلمة فشل فيه.. فقد تتزوج الفتاة التي لا تمتلك أي مؤهلات وهي في العشرين بينما تصل فتاة في غاية الجمال والأخلاق والرقي للأربعين دون أن يطرق بابها خاطبًا، وهذا لا يعني أنها فاشلة إلا عند من لا يفهمون العطاء الإلهي والحكمة فيه، وأنا أريدك أن تكوني واثقة من هذه الفكرة تمامًا "تأخرك في الزواج لا يعني أنك فاشلة بحال من الأحوال".. لست بحاجة للانفعال والتشنج عندما تحاول زوجة والدك إظهارك بصورة الفاشلة بسبب التـأخر في الزواج.. ابتسمي ولا تردي عليها، فمن هي حتى يكون عليك الرد؟
أما إذا ردد والدك هذه الفكرة فتحدثي إليه بمنتهى الاحترام ولا تردي إلا بهذه الآية ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
يا ابنتي، لقد كفل لك الشرع حقك في قبول الخاطب أو رفضه (لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ)، وإذا أجبرك والدك على الزواج فهذا زواج باطل من حقك فسخه (جاءَتْ فتاةٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبي زوَّجَني ابنَ أخيهِ يرفَعُ بي خَسيسَتَه، فجعَلَ الأمرَ إليها، قالت: فإنِّي قد أجَزْتُ ما صنَعَ أبي، ولكنْ أردْتُ أنْ تَعلَمَ النِّساءُ أنْ ليس للآباءِ منَ الأمرِ شيءٌ)
من حقك إذن -أختي الكريمة- أن ترفضي هذا الزواج رغم كل الضغوط ورغم ضغوط والدك، وليس في ذلك أي عقوق، فلا تشعري بالذنب من هذه النقطة.
إدارة الحوار
أريدك بعد أن تهدأ نفسك أن تطلبي من والدك الحوار والأفضل أن تنتهزي أي فرصة قد تكون زوجته خارج البيت وتتحدثي معه وحده.. ادعي الله من قلبك أن ييسر هذا الحوار استغفري وصلي على النبي وحوقلي بهذه النية، وتحدثي إليه بلهجة عاطفية تلامس مشاعر الأبوة في قلبه قولي له: لقد كانت أمنية أمي أن تراني زوجة سعيدة وأكون مرتاحة يا أبي. يا أبي يعلم الله كم أنت غال في قلبي وأعرف كم تحبني وتخاف عليّ، لكن أرجوك أنا لا أريد هذا الزواج ولا أريد أن أغضبك.
بالطبع نحن لا نستطيع التنبؤ بسلوك والدك، فقد يبدي تفهمًا كبيرًا، وهذا ما أرجحه ولو حدث هذا، فانتهزي الفرصة واطلبي منه أن يطلب من زوجته ألا تتحدث في أمور تخصك وأنك تحترمينها لأجله فقط لكنها ليست أمك (رحمة الله عليك يا أمي).. كوني ذكية لا تطلبي هذا الطلب إلا لو وجدته في مزاج عاطفي يسمح بذلك.
أما إن أصر على موقفه فأخبريه أنك تحبينه، لكن موافقتك شرط لصحة الزواج وأنت لا تقبلين، وفي هذه الحالة أنت بحاجة للوساطة من إمام أو داعية له تقديره في حيكم.. عم أو خال أو حتى صديق مقرب للوالد بحيث تمثل هذه الوساطة ورقة ضغط على والدك وإقناعه أن الزواج ليس بالإجبار وأن زوجته ليست والدتك حتى تتدخل في شئونك.
في حال تم السيناريو الثاني، فحاولي تقليل الاحتكاك إلى الحد الأدنى مع والدك ومع زوجته، فإذا ضايقك والدك بكلمة استمعي له ولا ترفعي عينيك حتى ينهي كلامه ولا تعلقي، أما إن ضايقتك زوجته فانظري لعينيها نظرة استهانة زاجرة ولا تردي أيضًا، دعي نظرتك تتكلم بدلا عنك.
أما كيف تحمين نفسك نفسيًّا واجتماعيًّا فهذه هي أهم نقطة، فإذا كان رفض هذا الرجل أمرًا محسومًا بالنسبة لك فإن التخطيط للمستقبل هو ما ينبغي أن تفكري فيه، وسوف أرسل لك ردًّا تفصيليًّا لاحقًا على هذه النقطة فتابعيني.. كتب الله لك الخير وأسعد قلبك ورزقك الخير كله.
روابط ذات صلة: