يحضر دروس المساجد ليلتقي أصحابه.. كيف يصلح نيته؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : وساوس وشكوك
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 30
  • رقم الاستشارة : 4986
06/06/2026

هل إذا كان شخص يريد أن يحضر بعض الحلقات العلمية في بعض المساجد؛ لكنه يشعر أن دافعه الأكبر إلى ذلك هو أن يرى أصحابه ويستمتع بصحبتهم، فهل يتقبل الله -سبحانه وتعالى- حضوره إلى تلك الحلقات؟ أم عليه أن يتوقف عن الحضور حتى تنصلح نيته؟

الإجابة 06/06/2026

مرحبًا بك أختنا الفاضلة، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يبارك في علمك ووقتك، وأن يرفع قدرك في الدارين، وبعد...

 

فالإجابة المباشرة على سؤالك هي: لا يتوقف هذا الشخص أبدًا عن حضور هذه الدروس العلمية، بل يستمر ويواظب عليها ما دام يلقيها علماء ثقات، وفيها نفع لدينه. والتوقف بحجة عدم اكتمال الإخلاص هو فخٌّ مألوف من فخاخ الشيطان، ليحرم العبد من فضائل الطاعات.

يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: «ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما».

 

أما بخصوص تقبُّل الله -سبحانه وتعالى- لهذا الحضور مع وجود دافع الصحبة، فإن هذا الدافع وهذه النية لا تضر أصل العمل -إن شاء الله تعالى- ولا تمنع قبوله، بل يعدُّ هذا من قبيل جمع أكثر من مقصود في العمل الواحد، واستحضار أكثر من نية فيه، بشرط أن تكون النيات كلها تصب في الأصل، وهو ابتغاء وجه الله عز وجل، والسعي لمرضاته.

 

بركة مجالس العلم تشمل الجميع

 

إن مجالس العلم والذِّكر اختص الله عز وجل من يحضرها برحمات وأفضال، حتى لمن لم يأتِ إليها بهدف العلم فقط. والدليل على ذلك ما ورد في الحديث الذي يرويه أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ في وصف الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذِّكر، وفيه أن الله -عز وجل- يسأل ملائكته -وهو أعلم- عن أهل المجلس، فيقول ملك من الملائكة: «فيهم فُلانٌ عبدٌ خَطَّاءٌ، إنَّما مَرَّ فَجَلَسَ معهُمْ، قالَ: فيَقولُ اللهُ تَعالَى: ولَهُ غَفَرْتُ، هُمُ القَوْمُ لا يَشْقَى بهِمْ جَلِيسُهُمْ» [متفق عليه].

 

فتأملي هذا الفضل العظيم؛ شخصٌ لم يأتِ أصلًا للمجلس وإنما مرَّ لحاجة فجلس، وكان فوق ذلك مذنبًا خطاءً، ومع ذلك شملته المغفرة والقبول ببركة من جالسهم. فكيف بمن يخرج من بيته قاصدًا المسجد، ويجلس في حلقة العلم ليرى أصحابًا صالحين؟

 

حب الصحبة الصالحة عبادة

 

إن الدافع الذي يجده هذا الشخص في نفسه ليس دافعًا دنيويًّا مذمومًا؛ بل هو رغبة في استمتاع بصحبة صالحة في بيئة إيمانية. والله -سبحانه وتعالى- أمر نبيه ﷺ بنص القرآن الكريم أن يصبِّر نفسه مع هذه الثلَّة بالذات، فقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 28]. فحب رؤية هؤلاء الصالحين ومجالستهم هو طاعة مشروعة يأجرنا الله عليها بفضله.

 

النيات تصفو وتسمو

 

إن النيات تصفو وتسمو بممارسة الأعمال وبالوجود في بيئة صالحة، وسمعنا أن بعض العلماء بدؤوا رحلتهم في طلب العلم بنوايا شابتها بعض حظوظ النفس؛ لكن الاستمرار في البيئة الصالحة كان كفيلًا بتنقية نياتهم وتهذيبها. فمثلًا يُؤثر عن الإمام سفيان الثوري وغيره قولهم: «طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله».

 

فالتماس العِلم، وسماع الآيات والأحاديث، والوجود في بيئة المسجد الهادئة المطمئنة، يشبه عملية غسل وتطهير مستمرة للقلب، فيتحول دافع الحضور تدريجيًّا من حضور لأجل الأصدقاء إلى حضور لأجل الله، وتكون الصحبة زادًا على الطريق.

 

وطبيعي أن النفس البشرية تحتاج إلى محفِّزات مرئية وملموسة (كالصحبة والمرح والمؤانسة) لتتحمل مشقة الطاعات في البداية، وهذا من مرونة التشريع وفهم الطبيعة الإنسانية التي خلقها الله.

 

مقترحات عملية لضبط النية

 

- توسيع النيات وتكثيرها: قبل خروج هذا الشخص من بيته، عليه ألا يحارب رغبته في رؤية أصدقائه؛ بل يضيف إليها نيات أخرى. مثل: «أنا خارج لالتماس العلم، وعمارة بيوت الله، ورؤية إخوتي في الله، ولأتعرض لرحمات الله وتنزيل السكينة».

 

- تحويل الصحبة ذاتها إلى طاعة: باستثمار هذه الصحبة في مذاكرة العلم ومدارسته وفهمه، وكذلك للتعاون على البر والتقوى وتصبير النفس على تحمل عناء العلم وغيره من الطاعات، كما قال تعالى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

 

- الدعاء بالإخلاص: إن النية فِعل قلبي، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. فليداوم العبد على الدعاء النبوي: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم».

 

وختامًا أختي الفاضلة، إن شعور هذا الشخص بالتقصير وحرصه على نقاء سريرته هو زاده إلى الله، فلا يجعل هذا التفكير بوابة للشيطان يثبطه بها عن مجالس العلم. فليذهب إلى المساجد ولا يمتنع عنها، وليفرح برؤية أصحابه، على أن يحتسب كل ذلك عند الله -عز وجل- وله سبحانه. والله شكور حليم يقبل القليل ويثيب عليه بالكثير.

 

أسأل الله أن يطهر قلوبنا ويرزقنا وإياك الإخلاص في القول والعمل. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

النية في العبادات.. حقيقتها وأهميتها والتلفظ بها

الحكمة من تشريع النية وجعلها ركنًا للأعمال

الرابط المختصر :