الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقه الأسرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
29 - رقم الاستشارة : 6106
13/10/2026
والد يريد كتابة جميع أملاكه باسم بناته حتى لا يذهب الميراث إلى غيرهم بعد وفاته، فما الحكم؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن
نظام الميراث في الإسلام نظام رباني محكم، تولى الله عز وجل قسمته بنفسه من فوق
سبع سماوات، ولم يتركه لنبي مرسل ولا لملك مقرب، بل فصّل الأنصبة تفصيلاً دقيقًا
في سورة النساء، ثم ختم هذه القسمة بقوله الجازم: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ
يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا
وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ}. والمال في يد المسلم هو على سبيل الوديعة والاستخلاف،
وللمالك حق التصرف في ماله حال حياته وصحته، ولكن هذا الحق مقيد شرعًا بألّا يقصد
بتصرفه مضارة الآخرين أو التحايل على شرع الله وإسقاط فرائضه.
اختصارًا:
تختلف
الرؤية الفقهية لهذه المسألة بحسب نية الأب وطبيعة التصرف كحالة الصحة أو مرض
الموت، وتتلخص في الآتي:
إذا
قام الأب بكتابة أملاكه لبناته بعقود هبة حقيقية ناجزة مستوفية لشروط التمليك
والقبض، ورفع يده عن التصرف فيها حال حياته وصحته، فالتصرف صحيح من الناحية
القانونية والقضائية.
من
الناحية الشرعية (ديانة): إذا كانت نيته الأساسية هي "الفرار
من الميراث" وحرمان العصبات كالأخوة أو أعمام البنات من حقهم الذي شرعه الله،
فهو "آثم شرعًا" لقصده مضارة الورثة وتعدي حدود الله، وإن نفذ العقد،
أما إن كان قصده تأمين بناته وتوفير سكن لهن أو تعويضهن عن ضرر، دون قصد حرمان
باقي الورثة، فلا إثم عليه.
أما
إذا كان التصرف صوريًّا يحتفظ الأب بحق الانتفاع والتصرف حتى موته أو تم هذا
التصرف في "مرض الموت"، فإنه يأخذ حكم "الوصية"، والوصية
للوارث باطلة، ولا تنفذ إلا بإجازة باقي الورثة.
وأما
حكم الواقع، فهل هناك ضمان إن أعطى بناته كل ماله ألا يستقوين بهذا المال عليه،
فيقضي باقي عمره عالة على من حرمهم من حقهم المستقبلي في الميراث، وحوادث الناس من
هذا النوع أكثر من أن تحصى.
وتفصيلاً:
أولاً:
تقسيم حالات التصرف في الأموال للبنات:
في
مرض الموت: اتفق العلماء على أن عطية المريض مرض الموت تأخذ حكم الوصية، لحديث: "إن الله
قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" رواه أبو داود وغيره. فلا يجوز تخصيص
البنات بشيء زائد عن فرائضهن إلا برضا باقي الورثة.
في
حال الصحة والعقل بالهبة أو البيع: من حق الإنسان أن يهب ماله لمن
يشاء حال صحته، بشرط أن تكون هبة منجزة تامة، تُنقل فيها الملكية وتقبضها البنات
ويتصرفن فيها تصرف الملَّاك. ولكن الخلاف يقع في النية المحركة لهذا التصرف.
ثانيًا:
أقوال المذاهب الفقهية في الهبة بقصد حرمان الورثة:
الحنفية
والشافعية: ينظرون إلى الظاهر، فما دام الأب في كامل أهليته، ووهب ماله وقبض الموهوب له
المال، فالعقد صحيح وتثبت به الملكية قضاءً. لكنهم ينصون على أنه إذا قصد الإضرار
بالورثة وحرمانهم فهو "آثم ديانةً" أي بينه وبين الله، لأنه تعمد إبطال
حكمة الله في المواريث.
المالكية
والحنابلة: يوسعون من قاعدة "سد الذرائع" وإبطال الحيل. يرى الإمام مالك والإمام
أحمد في رواية أن كل حيلة يُقصد بها إسقاط حق أو الإضرار بمسلم هي حيلة باطلة. قال
ابن تيمية: "كل قصد لإسقاط واجب أو ارتكاب محرم فإنه يبطل التصرف".
وعليه، فمن وهب ماله فارًّا من توريث عصباته، يأثم، ومن العلماء من ذهب إلى إبطال
هذه الهبة معاملةً له بنقيض قصده.
ثالثًا:
مناقشة تفصيلية للفكرة المنطقية التصدق بالمال مقابل منحه للبنات:
تطرح
الفكرة المنطقية سؤالاً وجيهًا: "إذا كان الشرع لا يمنع الرجل من التصدق
بجميع ماله في حياته كما فعل أبو بكر الصديق، فكيف يمنعه من إعطائه لأولاده
وقرابته لحمايتهم؟"
الرد
على هذه الشبهة المنطقية يتضح في النقاط التالية:
قيد
التصدق بجميع المال في الشرع:
الادعاء
بأن الشرع يبيح مطلقًا التصدق بجميع المال ليس دقيقًا لعموم الناس. حالة أبي بكر
الصديق رضي الله عنه حالة استثنائية لرجل اكتمل إيمانه ولا يخشى على أهله الضياع
لتوكلهم التام. أما القاعدة العامة فقد أرساها النبي ﷺ مع كبار الصحابة. فعندما
مرض سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال للنبي ﷺ: "أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال:
لا. قلت: فبالشطر؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر
ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" متفق عليه. فالشرع أصلاً
ينهى عن الإجحاف بالورثة حتى في أبواب الخير الصدقة والوصية، فكيف بتعمد حرمان
بعضهم؟
الفرق
بين قصد "التقرب إلى الله" وقصد "الاعتراض على قسمة الله":
مناط
الحكم في الإسلام هو "النية". عندما يتصدق الإنسان بماله للفقراء، فإن
نيته هي التقرب إلى الله وإعمار الآخرة. أما عندما يهب الرجل ماله كله لبناته
تحديدًا وبنية ألا يرثه أخوه أو عمه أو غيرهم من العصبات، فإن النية هنا هي
"محادة حكم الله". كأن لسان حاله يقول: "إن قسمة الله التي جعلت
لأخي نصيبًا في مالي غير عادلة، وأنا سأقوم بتصحيحها وحجب أخي". هذا استدراك
على حكمة الخالق، واعتراض خفي على الشريعة، وهو من كبائر الذنوب.
حماية
البنات لا تعني التعدي على حقوق الآخرين:
الإسلام
لا يمنع الأب من توفير حياة كريمة لبناته. يجوز للأب أن يهب بناته بيتًا يؤويهن،
أو مبلغًا من المال يؤمن مستقبلهن، ما دام ذلك في حدود الحاجة والمصلحة المعتبرة.
الممنوع هو الاستيعاب الكامل للتركة بقصد الحرمان. هناك فرق بين أب يهب بناته شقة
ليسكنّ فيها لحاجتهن، وبين أب يتنازل عن كامل ثروته وعقاراته وأرصدته لتصبح
"صفرًا" فقط كي لا يرث أخوه أو ابن عمه. الأول تصرف مشروع بدافع الأبوة،
والثاني حيلة محرمة بدافع الإضرار.
العدل
الواجب والإضرار المحرم:
توزيع
الثروة يجب أن يخضع لقاعدة "لا ضرر ولا ضرار". العصبات كالأعمام لهم حق
شرعي في الميراث لأنهم في النظام الإسلامي هم من يتحملون الديات في حالة القتل
الخطأ، وهم الملزمون بالنفقة على هؤلاء البنات إذا افتقرن ولم يكن لهن أب أو أخ.
فمن الظلم أن تجردهم من الغنم والربح حين الميراث، بينما يفرض عليهم الشرع تحمل
النفقة في الأزمات.
القواعد
الفقهية الحاكمة فيمن يريد أن يرثه بناته فقط:
الأمور
بمقاصدها: كل تصرف يُنظر فيه إلى نية فاعله، فإنْ قصدَ الإضرارَ أثِم، لقوله ﷺ: "إنما
الأعمال بالنيات".
لا
ضرر ولا ضرار: لا يجوز للإنسان أن يتصرف في ملكه تصرفًا يقصد به
الإضرار بغيره ممن ثبت لهم حق متوقع بأمر من الله.
التحيل
على إسقاط الواجبات باطل: كل حيلة يتخذها المكلف لإسقاط حكم شرعي
كالميراث تُرد على صاحبها.
من
استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه: تُطبق هذه
القاعدة عند المالكية والحنابلة لإبطال الحيل، فمن قصد قطع الميراث قد يُرد قصده
ويُحكم ببطلان التصرف في بعض الحالات القضائية.
التصرف
في الملك مقيد بعدم قصد الإضرار: حرية التصرف المالي في الإسلام
واسعة، لكنها تقف عند حدود نية الإضرار بالآخرين أو التحايل على شرع الله. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
كتابة التركة للبنات خوفا من ميراث أعمامهم!