الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
49 - رقم الاستشارة : 5367
19/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا أم لشاب يبلغ من العمر واحدًا وعشرين عامًا، يدرس في السنة الثالثة بالجامعة، وهو -بفضل الله- صاحب خلق ودين، والجميع يشهد له بالأدب والاحترام.
لكن منذ فترة بدأت ألاحظ شيئًا يقلقني جدًا.
ابني لا يستطيع أن يقول كلمة "لا" لأي شخص.
إذا طلب منه أحد زملائه إعداد بحث، قام به.
وإذا طلب أحدهم استعارة ماله، أعطاه، حتى لو احتاج إليه.
وإذا طلب منه أحد تغيير موعده أو إلغاء ارتباطاته من أجله، وافق دون تردد.
حتى داخل الأسرة، إذا كلفه أحد بإجراء أمر وهو مرهق أو مشغول، يوافق فورًا.
لكنني أراه بعد ذلك يعود إلى غرفته حزينًا، ويقول أحيانًا: "أنا تعبت من الناس"
وعندما أسأله: "لماذا لا تعتذر إذا كنت لا تستطيع؟"
يجيبني: "أخاف أن يزعلوا مني أو يظنوا أنني شخص سيئ".
في الفترة الأخيرة بدأ يشكو من الإرهاق، وتأخر في بعض واجباته الجامعية، وأصبح يشعر بالضغط النفسي.
أنا أخشى أن يستغله الناس بسبب طيبته، وأخشى أيضًا أن يتحول مع الوقت إلى شخص ناقم على الجميع.. فكيف أساعده؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..
أختي
الكريمة..
لفت
نظري في رسالتك أنك وصفت ابنك بأنه صاحب خلق، ثم وصفت معاناته، وهذه نقطة مهمة جدًَا؛
لأن كثيرًا من الأسر تخلط بين حسن الخلق وبين إلغاء الذات.
وابنك
-كما يبدو من رسالتك- لا يعاني من قسوة القلب، بل على العكس، يعاني من طيبة زائدة
غير متوازنة.
وهنا
ينبغي أن نعلمه مهارة يحتاجها كل شاب في حياته، وهي أن الإنسان يستطيع أن يكون
كريمًا ومحترمًا، وفي الوقت نفسه يعرف متى يقول: "لا".
أولًا:
ما المشكلة الحقيقية؟
المشكلة
ليست أنه يساعد الآخرين. بل المشكلة أنه يربط قبول الناس له بموافقته
الدائمة على طلباتهم. وفي علم النفس يسمى ذلك People
Pleasing، أي السعي المفرط لإرضاء الآخرين.
وصاحب
هذا النمط يخشى الرفض، ويعتقد أن محبة الناس له ستنقص إذا اعتذر أو رفض طلبًا لا
يستطيع القيام به. ومع مرور الوقت، يصبح مستنزفًا نفسيًّا وجسديًّا.
ثانيًا:
لماذا يحدث هذا؟
قد
ينشأ هذا السلوك بسبب التربية التي تُشعر الطفل دائمًا أن قيمته في إرضاء الجميع أو
بسبب خوفه من النقد أو فقدان العلاقات، فيتكون لديه اعتقاد داخلي مبنى على أنه:
"إذا
رفضتُ طلب أحد فلن يحبني"، وهذا الاعتقاد يحتاج إلى تصحيح. فالناس الذين
يحبونك لأنك لا ترفض طلباتهم، قد لا يحبونك أنت، وإنما يحبون ما تقدمه لهم.
ثالثًا:
الرفض المهذب ليس قلة أدب
من
المهم أن يتعلم ابنك مهارة التواصل الحازم المهذب، وهي القدرة على التعبير عن
الحقوق والاحتياجات باحترام، دون عدوانية أو استسلام.
فيمكنه
أن يقول:
•
أعتذر، لدي التزام اليوم.
•
أتمنى مساعدتك، لكن وقتي لا يسمح.
•
هذه المرة لن أستطيع.
هذه
العبارات لا تجرح أحدًا، لكنها تحميه من الاستنزاف.
رابعًا:
لا بد أن يعلم أن من لا يحافظ على نفسه لن يستطيع خدمة الآخرين
إذا
استمر ابنك في استنزاف وقته وصحته، فسوف يصل إلى الاحتراق النفسي، وعندها قد يتحول
من شخص محب للعطاء إلى شخص يكره التعامل مع الناس. ولذلك فإن الحفاظ على الطاقة
النفسية ليس أنانية، بل ضرورة.
والإسلام
دعا إلى الإحسان، لكنه لم يأمر الإنسان أن يرهق نفسه فوق طاقتها. قال الله تعالى: ﴿لَا
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فكما أن للناس حقًّا علينا،
فلأنفسنا أيضًا حقوق لا يجوز إهمالها.
وهنا
يأتي دور الأسرة:
١- لا تمدحوا ابنكم لأنه يوافق دائمًا..
بل
امدحوه عندما يتخذ قرارًا متزنًا، حتى لو اعتذر عن أمر لا يستطيع القيام به.
قولوا
له: "أعجبنا أنك احترمت وقتك، واعتذرت بأدب"؛ فهذا التعزيز الإيجابي
يساعده على ترسيخ السلوك الصحي.
٢- كذلك، دربوه داخل المنزل.. دربوه على التعبير عن رأيه، حتى إذا
اختلف معكم، واستمعوا إليه دون سخرية أو مقاطعة.
كأن
تطلبوا منه أن يقف أمام المرآة، ويتدرب على قول عبارات الرفض المهذب بصوت هادئ
وواثق. ثم يبدأ بتطبيقها في مواقف بسيطة، حتى يكتسب الثقة تدريجيًّا. فالمهارات
الاجتماعية تُكتسب بالممارسة، لا بالقراءة فقط.
همسة
أخيرة:
قولي
له: يا بني، ليس كل من يغضب لأنك اعتذرت عن طلب، يستحق أن تخسر راحتك من أجله.
وستكتشف مع الأيام أن العلاقات الصادقة لا تقوم على كثرة ما تقدمه، وإنما تقوم على
الاحترام المتبادل. فكن كريمًا، نعم، ولكن لا تجعل كرمك على حساب صحتك، ولا تجعل
طيبتك بابًا يستنزفك، فإن النفس أمانة، ومن حفظ الأمانة أحسن القيام بحقوق الله
وحقوق الناس.
روابط
ذات صلة: