<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، معكم أختكم فريدة، أعيش مع زوجي في بناية يقطنها جيران مسلمين وغير مسلمين، وبعضهم يعرف عنا أننا متديّنان.</p> <p>في قلبي رغبة شديدة في أن أكون أنا وزوجي سببًا في هداية من حولنا أو تذكيرهم بالله، لكننا أحيانًا نحتار: ما الطريقة المثلى لدعوة الجيران؟ هل تكون بالدعوة المباشرة، أم بمجرد حسن المعاملة؟ وهل يمكن للمرأة أن تشارك زوجها في هذه الدعوة، أم يقتصـر الأمر على الرجال؟</p> <p>أرجو أن توجهونا بخطوات عملية واضحة، مع أمثلة من سيرة النبي ﷺ في دعوة الجيران، حتى نعمل بها<span dir="LTR">.</span></p>
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أختي الكريمة، أسأل الله أن يبارك في حرصك أنت وزوجك على هداية من حولكما، وأن يجعل حبك للخير سببًا في رفعة درجتك في الدنيا والآخرة، وما سأذكره لك هو مزيج بين هدي القرآن، وسنة المصطفى ﷺ، وتجارب عملية مجرّبة، فلتأخذي منها ما تستطيعين تطبيقه في واقعك.
أصل الدعوة إلى الله يشمل الجيران
الجيران لهم حق عظيم في الإسلام، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، لقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ وقد فسّر بعض العلماء "الجار ذي القربى" بالجار القريب نسبًا أو دينًا، و"الجار الجنب" بالجار البعيد أو غير المسلم، وفي الحديث الصحيح، قال النبي ﷺ: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه))، فأنت وزوجك مأموران بالإحسان إلى الجيران، وهذا الإحسان هو أحد أبواب الدعوة الفعالة؛ لأن القلوب تميل لمن أحسن إليها.
أسلوب النبي ﷺ في دعوة الجيران
فإنّ النبي ﷺ لم يحصـر الدعوة في الكلام فقط، بل جمع بين القول والعمل، وكان يبدأ بالدعوة إلى التوحيد بأسلوب لطيف، ثم يعرض أصول الدين، وكان يزور جيرانه ويواسيهم في أحزانهم ويفرح معهم في أفراحهم، حتى قال أنس رضي الله عنه: «كان النبي ﷺ أحسن الناس جوارًا»، بل حتى مع جاره اليهودي، الذي كان يؤذيه، استمر ﷺ في الإحسان إليه، حتى أسلم ذلك الجار لما رأى مكارم الأخلاق.
دور الزوجين معًا في الدعوة
من الجميل أن تكون الدعوة مشروعًا أسريًّا، لكن مع مراعاة الضوابط، التي منها:
* الزوج يتواصل مع الرجال، خصوصًا في اللقاءات العامة أو في المناسبات.
* الزوجة تتواصل مع نساء الجيران، في زيارتهن، ودعوتهن، وتقديم الهدية، وإلقاء كلمة قصيرة عند المناسبات. وهذا من التعاون على البر والتقوى الذي أمر الله به: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
وسائل عملية لدعوة الجيران
1) إكرام الجار بالهدية ولو كانت بسيطة؛ قال ﷺ: «يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» (رواه البخاري ومسلم).
2) الزيارة عند المناسبات (ولادة – زواج – مرض – وفاة قريب) مع كلمة دعوية لطيفة.
3) الدعوة للطعام، فموائد الإفطار في رمضان أو عشاء جماعي تفتح القلوب.
4) المشاركة في حل المشكلات أو تقديم المساعدة وقت الحاجة.
5) تبادل الكتب أو الكتيبات أو الروابط النافعة بهدوء ودون إلزام.
6) القدوة الحسنة: التزام الآداب، خفض الصوت، احترام مواعيد الراحة، الابتسامة في اللقاء.
الضوابط الشرعية في التعامل مع الجيران
1) حفظ النظر والكلام، فلا اختلاط محرم.
2) الدعوة برفق وعدم الإحراج أو الجدال العقيم؛ قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
3) الصبر على الأذى إن وُجد، فقد قيل للنبي ﷺ: «أي الإسلام خير؟ قال: تُطْعِمُ الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (رواه البخاري ومسلم).
التدرج في الدعوة
لا تبدؤوا بالقضايا الخلافية أو التفاصيل الدقيقة، بل ركِّزوا على الأصول الكبرى: التوحيد، محبة الله ورسوله، بر الوالدين، الأمانة، الصدق.
وتلك بعض النصائح الختاميّة، أوجهها إليكم
1) اجعلوا نيتكم لله وحده؛ فالإخلاص سر بركة الدعوة.
2) ابدأوا بالإحسان قبل اللسان؛ فالقلوب تُفتح بالأفعال.
3) ولا تستعجلوا النتائج؛ الهداية بيد الله.
4) خصِّصوا وقتًا دوريًّا أنت وزوجك للتخطيط لمبادرات دعوية مع الجيران.
5) أكثروا الدعاء لهم بظهر الغيب.
وأسأل الله العظيم أن يبارك فيك وفي زوجك، وأن يجعلكما مفتاحين للخير مغلاقين للشـر، وأن يهدي على أيديكما من شاء من عباده، وأن يجمعكما بمن تحبون في الفردوس الأعلى.