الفرق بين النظرية والتطبيق في عقود التأمين

<p>سمعنا أن هناك فرق بين النظرية والتطبيق في عقد التأمين، فهل هذا صحيح، وما معناه وأثره على الحكم الفقهي؟</p>

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

ففكرة التأمين كفكرة نقوم على التعاون والتكافل في تفتيت الأخطار التي تحدث في المستقبل، ومن ثمَّ يمكن للفرد أو الهيئة تحملها، وهذه الفكرة لا اعتراض عليها، بل حث الإسلام على التعاون على البر والتقوى، وأقر ما يسمى بنظام العاقلة التي كان يتعاون فيه أقارب القاتل في مساعدته على تحمل الدية، وكان نظاما معمولاً به في الجاهلية فأقره الإسلام بعد إدخال تعديلات عليه تتجاوز الجوانب السلبية وتركز على الجوانب الإيجابية.

 

اختلاف الفقهاء في حكم عقد التأمين

 

لكن أثناء التطبيق حدثت المخالفات في التأمين التجاري الذي نظرت المجامع الفقهية وجمهور الفقهاء المعاصرين إلى التطبيق فوجدوا العقد يشتمل على الغرر والربا والمقامرة فأفتوا بالحرمة، ونظر عدد قليل من الفقهاء إلى الفكرة فأفتوا بالجواز.

 

اختلف الباحثون من الفقهاء في حكم عقد التأمين التجاري على قولين:

 

الرأي الأول: حرمة التأمين التجاري وأدلته

 

القول الأول: أن عقد التأمين التجاري حرام، وهو ما ذهب إليه عدد كبير من العلماء من أولهم العلامة الحنفي ابن عابدين رحمه الله، والشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر الأسبق رحمه الله والدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور حسين حامد حسان، كما أفتت بالحرمة مجامع الفقه المعتبرة في العالم العربي والإسلامي كمجمع الفقه الإسلامي بمكة والمجلس الأوربي للبحوث والإفتاء وغيرهم، واستدلوا على ذلك بأدلة منها:

 

1. أنه من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية المشتملة على الغرر الفاحش؛ وقد ورد في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ النهي عن بيع الغرر، وذلك لأن المستأمن لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ، فقد يدفع قسطًا واحدًا ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم المؤمن به، وقد لا تقع الكارثة مطلقًا فيدفع جميع الأقساط ولا يأخذ شيئًا، وكذلك المؤمن لا يستطيع أن يحدد ما يعطي أو يأخذ، وقد يحدث في حالات نادرة أن تطرأ ظروف غير متوقعة تؤدي إلى زيادة تحقق الخطر كزيادة نسبة الوفيات لحدوث وباء، فتضطر شركات التأمين في مثل هذه الأحوال لدفع مبالغ أكثر مما كانت تتوقع.

 

2. أنه ضرب من ضروب المقامرة؛ وذلك لأنه عقد معلق على خطر تارة يقع وتارة لا يقع، وفيه من المخاطرة في معاوضات مالية، ومن الغرم بلا جناية أو تسبب فيها، ومن الغنم بلا مقابل أو مقابل غير مكافئ ويدخل في عموم النهي عن الميسر في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90].

 

3. أنه يشتمل على ربا الفضل والنسيئة، وكلاهما محرم بالنص والإجماع، وذلك لأن ما تدفعه شركة التأمين للمستأمن أو لورثته عند حصول الخطر المحدد في العقد إما أن يكون أقل أو أكثر مما دفعه المستأمن أو يكون مساويًا له، وفي كل ذلك يكون دفع الشركة لصاحب الحق واقعًا بعد دفعه أقساط التأمين بفترة هي في الحقيقة مجهولة النهاية عند العقد، فهو ربا فضل إذا دفعت الشركة للمستأمن أو لورثته أو للمستفيد أكثر مما دفعه لها، وربا نسيئة بالنظر إلى أن وقت الدفع مؤجل، فتبين أن في حالة التساوي يكون فيه ربا النساء، وفي حالة الزيادة يكون فيه ربا الفضل والنساء معًا، وكل منهما محرم بانفراده فكيف إذا اجتمعا.

 

4. أنه من الرهان المحرم شرعًا؛ فإن كلا من التأمين والرهان معلق على خطر تارة يقع وتارة لا يقع.

 

5. أنه يشتمل على أكل أموال الناس بالباطل؛ لأن ما يدفعه المستأمن مبلغ محدود، وقد يأخذ أقل منه أو أكثر أو مثله أو لا يأخذ شيئًا، ففي حالة ما إذا لم يأخذ المستأمن شيئًا أو أخذ أقل مما دفع فبأي حق تستحق الشركة ما أخذته بدون مقابل شرعي، وبأي وجه يستحق ورثة المستأمن أو المستفيد مبلغ التأمين إذا توفي قبل أن يدفع كامل الأقساط.

 

6. أن في عقد التأمين التجاري الإلزام بما لا يلزم شرعًا؛ فإن المؤمن لم يحدث الخطر منه، ولم يتسبب في حدوثه، وإنما كان منه مجرد التعاقد مع المستأمن على ضمان الخطر على تقدير وقوعه مقابل مبلغ يدفعه المستأمن له، والمؤمن لم يبذل عملاً للمستأمن؛ فكان حرامًا.

 

 الرأي الثاني: جواز التأمين التجاري وأدلته

 

القول الثاني: أن التأمين التجاري جائز شرعًا، ومن الذين ذهبوا إلى هذا القول الشيخ عبد الوهاب خلاف والشيخ علي الخفيف والشيخ الزرقاء، واستدلوا بأدلة منها:

 

1. أن التأمين التجاري يحقق المصلحة، وحيثما تكون المصلحة فثم شرع الله، فإن التأمين نظام تعاوني يقوم على طريقة تكفُل تفتيت آثار المَخاطر؛ التي منها ما هو ماحق لمن ينزل على رأسه، وتوزيعها على أكبر عدد ممكن؛ فلا يصيب من نزلت على رأسه المصيبة إلا جزء يسير؛ هو القسْط الذي دَفَعَه.

 

2. أن عقد التأمين عقد جديد مستحدث لم يتناوله نص خاص، ولم يشمله نص حاظر، الأصل في المعاملات الإباحة، وقد أمر الله بالوفاء بالعقود فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1].

 

3. أن التأمين أصبح ضرورة اجتماعية تُحَتِّمُها ظروف الحياة، ولا يمكن الاستغناء عنه، فالحاجة تدعو إليه، وهي حاجة تقارب الضرورة، والقاعدة: أن الضرورات تبيح المحظورات.

 

4. أنه قد جرى العرف على التعامل بهذا النوع من العقود، والعرف مصدر من مصادر التشريع كما هو معلوم.

 

5. أنه يمكن قياسه على ولاء الموالاة، والمضاربة، والوعد الملزم، وضمان المجهول، وضمان خطر الطريق، ونظام العاقلة، وصور التأمين المشروعة كالتأمين الاجتماعي والتأمين التعاوني.

 

وبعدما رد الفقهاء المانعون على أدلة المجيزين، صدرت القرارات من المجامع الفقهية ودور الإفتاء بالمنع وهو الراجح.

 

والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

عقود التأمين.. أنواعها وأحكامها

التأمين الصحي.. حكمه وضوابطه

عقود التبرع والتأمين التكافلي