ما علاقة الرقمية بتعفن الدماغ؟

<p>ماذا يقصد بتعفن الدماغ وهل الرقمية والإنترنت والموبايل مسؤولة عن هذه الظاهرة الجديدة؟ وكيف نحمي أدمغتنا من التعفن هذا الذي يجري التحذير منه؟</p>

أخي الكريم، الرقمية أصبحت مكونًا أساسيًّا في حياة الإنسان المعاصر، يقضي أمام شاشاتها الساعات الطويلة، ويبوح لها بأسراره وتفاصيل حياته، كما أنها تحتوي حياته من اليقظة حتى المنام.

 

لكن لكل شيء ضريبة وثمن، فهذا الاستهلاك الكثيف للرقمية له تأثيره على الإنسان، فالرقمية أحدثت تأثيراتها الفعلية على عقولنا وطريقة تفكيرنا وإدراكنا، ومن تلك الظواهر المستحدثة ما يسمى بـ"تعفن الدماغ" Brain rot.

 

ما هو تعفن الدماغ؟

 

ظاهرة تعفن الدماغ تصف التدهور العقلي والفكري الذي يصيب البعض خاصة من الصغار والمراهقين نتيجة الإفراط في استهلاك المحتوى الرقمي، وبخاصة مقاطع الفيديو القصيرة التي لا تتجاوز بضع ثوان.

 

ونظرًا لخطورة هذا الاستهلاك الرقمي على العقل والتفكير أطلقت جامعة أكسفورد مصطلح "تعفن الدماغ" كلكمة على عام 2024، ويعرفه قاموسها بأنه "التدهور المفترض للحالة الذهنية أو الفكرية للشخص، كنتيجة للإفراط في استهلاك المحتوى المنشور على الإنترنت، والذي يعتبر تافهًا أو غير محفز على التفكير"، فهذا الاستهلاك السريع لمقاطع الفيديو ذات المحتوى التافه والقصير جدًّا، يؤدي إلى حالة من التشتت الدماغي وتشتت في التفكير والتركيز، ويضعف قدرة الفرد على الإدراك والمتابعة، ويؤثر سلبًا في قدرته على حل المشكلات أو تكوين صورة مكتملة عن الأشياء.

 

يرجع أول استخدام لمصطلح "تعفن الدماغ" إلى العام 1854م عندما كتب عنه المؤلف الإنجليزي "هنري ديفيد ثورو" في كتابه "والدن" أو العيش في الغابات، وهو كتاب يحكي سيرة ذاتية لسنتين من حياته قضاهما في الغابة، وفي هذا الكتاب صك هذا المصطلح الذي يعبر عن تراجع الأفكار الكبيرة والمعقدة والتي بات الناس أقل تقديرًا لها واهتمامًا بها، حيث قارن تلك الحالة الفكرية بما حدث من "تعفن البطاطس" في الأربعينيات من القرن التاسع عشر، والتي تسببت في مجاعة كبير في أوروبا ووفاة مئات الألوف في أيرلندا.

 

وقد تم استدعاء هذا المصطلح في الألفية الجديدة؛ ففي العام 2004 تم الحديث عما يسمى بـ"تلف الدماغ" في ظل الاستخدام الكثيف للأجهزة الإلكترونية وبخاصة الكمبيوتر، ثم أخذ المصطلح يحفر لنفسه مكانًا في عالم التكنولوجيا الرقمية وبخاصة في تأثيرات ألعاب الفيديو التي انتشرت في تلك الفترة على عقول الشباب والصغار الذين أدمنوا تلك الألعاب.

 

ومع العام 2024م أخذ هذا المصطلح يعبر عن حالة ذلك الجيل الجديد المرتبط بالرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي، والذي يقضي معها ربما 20% من وقته اليومي متصفحًا ومتفاعلاً مع محتواها، لكن هذا المصطلح كان أشبه بصيحة تحذير لإدمان الكثير من الشباب والصغار لمشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة والتي لا تستمر إلا بضع ثوان، ثم ينتقل إلى مشاهدة مقطع آخر، وهو ما أثّر على القدرات العقلية والإدراكية لهؤلاء الأشخاص وتسبب في تراجع قدرتهم على التركيز وإمكانية فهم الأفكار المعقدة، ناهيك عن حل المشكلات التي تحتاج إلى وعي واستيعاب كبير.

 

الدماغ والتحفيز

 

تشير الإحصاءات إلى أنه يُشاهد يوميًّا ما يقرب من (200) مليار مقطع ريلز على موقع أنستجرام وفيسبوك، وهذا رقم مخيف للغاية، ويحظى حوالي 22% من تلك المقاطع بتعليقات المشاهدين، ويتفاعل (2) مليار شخص مع مقاطع الريلز كل شهر، وهو ما يتفوق على مقاطع الفيديو العادية، ومعنى ذلك أن تلك المقاطع تستهلك أوقات وأفكار الغالبية العظمى من البشر، ويصبح متوسط ما يشاهده الفرد من مقاطع ريلز يوميًّا يتجاوز الـ(40) مقطعًا، لكن الواقع الحقيقي أن الفرد يشاهد يوميًّا مئات المقاطع.

 

أدمغتنا تحتاج إلى تحفيز مستمر، وتحديات فكرية تحفز الدماغ على حلها، أما إذا تعامل الشخص مع عقله بمنطق الراحة والكسل والاسترخاء، فإن الدماغ البشري يتقلص ويضمر الكثير من قدراته، وهو ما يعرضه مستقبلاً للتلف، بل يعرض الإنسان للإصابة المبكرة بمرض الخرف أو الزهايمر.

 

تشير الدرسات النفسية إلى أن تعرض الأطفال الصغار في مرحلة نموهم إلى تلك المقاطع يُضعف نموهم العقلي وعملياتهم الإدراكية؛ لأن التفاعل والتجارب مكون أساسي في بناء عقلية الطفل ووجدانه، أما إدمان مشاهدة تلك المقاطع فإنه يعيق هذا النمو، وبالتالي يظل عقل الصغير وتفكيره راكدًا، وهي حالة مجازية تشبه حالة تعفن الأشياء الساكنة التي لا تتحرك.

 

تُظهر الدراسات العلمية أن الأشخاص الذين يقرؤون كثيرًا يكونون أقل عرضة للإصابة بأمراض مثل الزهايمر، وأن من يتعرض لتجارب متنوعة ويعمل في مجالات تتطلب التفكير والتحليل يكون أقل عرضة لهذه الأمراض، وأن الدماغ الذي لا يتلقى تحفيزًا مستمرًا، من خلال التعلم والتجارب، يتقلص مع مرور الزمن.

 

روابط ذات صلة:

ما علاقة العقل بصناعة الأمنيات؟

لماذا يبدو الكثير من الشباب أقل سعادة؟

ما علاقة الرقمية بانتشار روح الحسد؟

كيف أثرت ثقافة الصورة على أخلاقنا؟

حماية الهوية في عصر الرقمية