<p>يلاحظ أن التسويف أصبح سمة عامة لكثير من الأفراد في الأجيال الجديدة، فما هو دور العقل في تبرير التسويف، وكيف نظر علم النفس إلى التسويف، ولماذا كان التسويف سمة لا تعرفها الحضارات القوية؟</p>
أخي الكريم، هناك مشكلات إنسانية تجمع بين الجانب العقلي والجانب الأخلاقي والسلوكي؛ إذ تنعكس التصورات الذهنية في أخلاق وسلوك، ومن ثم فمن يرغب في الإصلاح لا بد أن يهتم في المقام الأول بمعالجة التصورات المغلوطة وبناء تصورات صحيحة، فإذا تم إنجاز تلك الخطوة كان تعديل الأخلاق والسلوك أمرًا لاحقًا، ومن تلك المشكلات التسويف، الذي هو في الأساس أزمة تصورات عقلية، تعبر عن نفسها في سلوكيات من الكسل والتراخي وفقدان الحافز وغياب الدافع.
ما هو التسويف؟
التسويف هو التأجيل للأعمال والمهام، وقد يكون المحرك لتلك العقلية هو إيثار الراحة وتجنب القلق والتوتر أو هروبًا من المسؤولية، أو فقدانًا للرغبة.
ويعرف –أيضًا- بأنه "التأخير الطوعي وغير المبرر لفعلٍ مُراد، على الرغم من العواقب السلبية أو غير السارة الحتمية".
يشير علماء النفس إلى أن الأمر حتى يُطلق عليه تسويفًا لا بد أن يتسم بثلاثة أشياء، وهي:
* أن يتسبب التأجيل في حدوث مشكلات وأزمات وخسائر.
* ألا يكون وراء التأجيل هدف أو غاية أو حاجة أو مانع يبرر حدوثه.
* أن يؤثر التأجيل على إنجاز العمل أو الهدف في وقته المحدد.
الدوافع النفسية
الدوافع النفسية للتسويف متنوعة، منها ما يتعلق بالبيئة الاجتماعية والثقافية التي ينشأ فيها الفرد؛ ففي بعض البيئات تغيب قيمة الوقت، ويصبح إنجاز العمل أو الهدف في وقته المحدد يتساوى مع التأجيل والتسويف، وهنا تأتي الثقافة الشعبية لتدعم ذلك التسويف من خلال الأمثال والفلكلور والحكايات الشعبية التي ربما تمتدح التسويف، وتنتزع أمثلة من الحياة وتستشهد بها في غير موضعها الصحيح تحت زعم أن التسويف فضيلة وليس سلوكًا يجب تجنبه والاقلاع عنه.
دراسات في علم النفس تؤكد أن عقلية التسويف تنشأ مع "انخفاض القيمة المؤجلة" بمعنى أن المستقبل قد لا يكون مشجعًا أو مغريًا على النهوض بالمهمة، وبالتالي الانتهاء من العمل أو إنجاز الهدف في الوقت المحدد، وهذا ما يجعل الفرد يلجأ إلى التسويف.
ويمكن تلخيص بعض من العوامل النفسية التي تقف وراء عقلية التسويف:
* الخوف من الفشل: مشكلة الخوف من الفشل أو الخوف من الهزيمة أنه يُضعف الحافز والدافع على الإنجاز، فهو يمارس ما يشبه الشلل على الإرادة الإنسانية، وأظهرت الأبحاث وجود صلة وثيقة بين الخوف والتسويف؛ فالخوف غالبًا ما يؤدي إلى تجنب المهام، ويؤثر سلبًا على اختيارها، والجهد المبذول فيها، كما أن الخجل من مسببات التسويف.
* غياب عقلية النمو: يتميز الدماغ البشري بقدرته على التطور والنمو مع المهام الجديدة، وتُعرف عقلية النمو بأنها قدرة الفرد على تنمية إمكانته ومهاراته وقدراته الشخصية، وهي تختلف عن العقلية الثابتة التي تعتقد بأن سماتها غير قابلة للتعديل والتغيير، والعقلية الثابتة ترسخ في النفس مشاعر العجز والشعور بالخزي والشكوك في قدراتها.
المثالية والتسويف: رغبة الشخص في أن يكون مثاليًّا، أو أن يستوفي كل الشروط قبل البدء، تؤدي غالبًا إلى نشوء عقلية التسويف، والمثالية هي سعي الإنسان للكمال، وهذا يغذي التسويف، وهؤلاء المثاليون يرفعون شعار "إما كل شيء أو لا شيء"، وهؤلاء يميلون إلى نقد عنيف لذواتهم أو تقليل كبير لقدراتهم وما في أيديهم من موارد قد تكون قادرة على إنجاز المهمة.
والحقيقة أن المعايير العالية تؤدي غالبًا إلى التقاعس وتضعف همة الإنسان وحافزه على الإنجاز، وتشير دراسات إلى أن التسويف ينشأ عندما توجد فجوة بين قدراتنا المتصورة وإمكاناتنا الفعلية، ولذلك يُقال "الكمال أو المثالية هي عدو الشيء الجيد"، بمعنى أن من تسيطر عليه فكرة المثالية سيجد أن كل شيء جيد حوله هو سيئ، ومن ثم لا بد أن إدراك الكمال ما هو إلا وهْم، ومن ضروري رفع شعار"الإنجاز أفضل من الكمال".
روابط ذات صلة:
هل التدليل الزائد عقبة في بناء الشخصية السوية؟
شخصية المنافق كيف عالجها علم النفس؟