كيف أجعل والديَّ يحافظان على أداء السنن وأذكار الصلاة؟

<p>أنا شاب في بداية طريقي الدعوي، أحبّ الصلاة وأحرص على الذكر والخشوع فيها، وأتألم حين أرى والديّ يصليان على عجلٍ دون حضور قلب، ولا يسبّحان بعد الصلاة إلا قليلًا، بل أحيانًا يستهينان بالسنن الرواتب. أشعر بالحزن والخوف عليهما، لكني لا أريد أن أبدو متعاليًا أو ناقدًا، فبماذا تشير عليَّ؟</p>

أخي السائل المبارك، أول ما أحييك عليه هو رقّة قلبك، وحرصك على والديك، وهذه -في ميزان السماء- عبادةٌ خفيّة قد ترفعك درجاتٍ لا تبلغها بكثرة صلاةٍ ولا صيام. قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23] وغيرتك على صلاح والديك نعمة، لكنّها تحتاج ميزانًا دقيقًا بين حرارة الغيرة وبرودة الحكمة.

 

ولذا إليك الآتي تفصيلاً:

 

أولًا: افهم طبيعة المرحلة الإيمانية عندهما

 

اعلم أن الإنسان -مهما بلغ- يمرّ بموجات من النشاط والفتور، والخشوع ليس حالةً ثابتة.. فربما كان والدك قد ذاق حلاوة الخشوع يومًا ثم فتر بسبب الانشغال أو التعب، وربما لم يتلقّ تربيةً روحية في بيئته تُنمِّي هذا المعنى.. إذن فمهمتك ليست التذكير بالصلاة فحسب، بل إحياء الوعي بها من الداخل.

 

ثانيًا: لا تكن الواعظ في البيت بل الابن الذي يُذكّر برفق

 

كثير من الأبناء الصالحين -دون قصد- يتحوّلون إلى مرشدين داخل بيوتهم، فتفقد كلماتهم دفءَ البنوة، وتذكّر أن والديك لا ينتظران منك فتوى، بل حنانًا مقرونًا بتأثير. لذلك قل مثلًا: أبي، كنت أقرأ عن أثر السكينة في الصلاة، فحسيت إن قلبي فعلاً بيتغيّر لما أبطّئ الركوع… جرّبها معي اليوم؟ أو: ماما، سبحان الله، لما أسبّح بعد الصلاة بحسّ براحة مش عادية… نفسي أحسّ إنك حاسة بها معايا . هكذا تُشركهما لا تُحاكمهما.

 

 ثالثًا: استخدم وسيلة القدوة الصامتة 

 

الصلاة أمامهما بخشوعٍ عملي، دون إظهار تصنّع، أبلغ من ألف موعظة. حين يراك والداك خاشعًا مطمئنًّا في صلاتك، تُرسّخ في نفسيهما معنى غائبًا دون كلام. فالخشوع يُعدي… كما يُعدي الانشغال. ولهذا قال النبي ﷺ: (إذا صلّى أحدُكم فليُصلِّ صلاةَ مودِّع) أي كأنه لا قيام له بعدها، وهي أبلغ طريقة لبثّ الروح في الصلاة أمام الآخرين دون وعظ مباشر.

 

 رابعًا: اجعل الحديث عن الخشوع حديثًا جماعيًّا لا توجيهًا شخصيًّا

 

استثمر مواقفَ لطيفة، كأن تقول مثلًا أثناء الإفطار أو بعد صلاة جماعة: قرأتُ كلامًا جميلًا عن سرّ الخشوع… إنّه استحضارك أن الله يراك الآن.. ولا تقل: أنتم لا تخشعون أو تستعجلون في الصلاة . فالضمير الجمعي يُخفّف من حدّة النقد ويزرع الفكرة دون مقاومة.

 

 خامسًا: غِذّ روحك قبل أن تُغذِّي غيرك

 

من أراد أن يُصلح غيره فعليه أن يكون قلبه مفعمًا بالسكينة أولًا. كلما امتلأتَ أنت خشوعًا، انعكس ذلك هدوءًا وضياءً في كلامك ونظرتك ونبرتك، فتؤثّر دون قصد، يقول بعض السلف: إنَّ للهِ عبادًا يُضيءُ نورُهم في القلوب وإن لم يتكلّموا .

 

 سادسًا: تذكير لطيف بالدرجات

 

اذكر لوالديك فضل السنن والرواتب بطريقة مشوّقة لا وعظية. قل لهما: يقول النبي ﷺ: (ما من عبدٍ مسلمٍ يصلي لله كلَّ يومٍ اثنتي عشرة ركعة تطوّعًا غير فريضة إلا بنى الله له بيتًا في الجنة). والله يا أبي يا أمي ما أظن حدّ يفرّط في بيت بالجنة! كلمة رقيقة تترك أثرًا بلا جدال.

 

 سابعًا: اجعل الدعاء سلاحك الدائم

 

كم من قلوبٍ غيّرها الدعاء أكثر مما غيّرها النقاش. ادعُ لهما في سجودك بصوتٍ خافت: اللهم أحيِ قلبي وقلبيهما بخشيتك، واجعل صلاتنا لك سكنًا لا عادة. فرب دعوة في جوف الليل تغيّر موازين النهار.

 

 ثامنًا: لا تتعجل النتائج

 

الإيمان لا يُفرض، ولا الخشوع يُنتزع باللوم، إنما يُستدرج بالحب والرفق. واذكر أن النبي ﷺ مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يزرع الإيمان قبل أن يُفرض الجهاد أو الصيام.. فاصبر كما صبر هو، وازرع كما زرع.

 

وخلاصة القول: ابدأ بالقلب لا بالسلوك، واختر وقت الرقة لا وقت الجدال، وكن قدوةً ملهمة لا واعظًا متكررًا، وادعُ لهما أكثر مما تحدّثهما.

 

واعلم ختاما أخي وابني الحبيب، أنَّ هداية والديك ليست في يدك، ولكنّ الله قد شرّفك بأن تكون باب الهداية لهما.. فكن هذا الباب المضيء الذي يذكّرهما بالله دون كلمات كثيرة.. ولعلّ الله -برفقك عليهما- يرفق بك يوم تلقاه، فيقول لك: ما كنت بارًّا بهما في الدنيا، كن قرير العين بهما في الجنة.

 

روابط ذات صلة:

منشغلة بالهاتف عن العبادة.. كيف أنصحها؟

مشغول عن النوافل بتحصيل الرزق.. بشريات وحلول

أهمية النوافل في حياة المسلم

10 عبادات تبني لك بيتاً في الجنة