<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;tab-stops:113.85pt; direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-EG" style="font-size:16.0pt; font-family:"Simplified Arabic","serif";mso-fareast-font-family:"Times New Roman"; mso-bidi-language:AR-EG">هل هناك ما يسمى بالعدوى في علم الاجتماع؟ وهل هذه العدوى قد يكون لها تأثيرات سلبية أو إيجابية في الحياة الاجتماعية وفي اقتداء الناس؟<o:p></o:p></span></p>
أخي الكريم، سؤالكم يلمس مصطلحًا ذا حضور في الحياة الاجتماعية، من
حيث الاقتداء والتقليد والتأثير، ألا وهو "العدوى" ذلك المصطلح الذي
انتقل من عالم الطب والأوبئة إلى المجال الاجتماعي، حيث لوحظ تشابه بين انتشار
الأمراض التي تصيب الأبدان وبين انتشار الأخلاق والسلوكيات التي يتأثر بها البشر
وتتناقل بينهم، ليس على سبيل الاقتناع؛ بل من خلال التقليد والتأثر بالآخرين، ومن
ثم فنحن أمام حالة فاعلة في المجتمعات يجب الانتباه لدورها في مجال الأخلاق.
وقد طُبقت نظرية العدوى الاجتماعية في التعليم والأخلاق وعلم النفس،
وفي مجالات كثيرة وقد أثبتت حضورها وفاعليتها على الكثير من الأشخاص والمجتمعات،
وفي أحيان أخرى تم استغلالها لنشر سلوكيات معينة أو منتجات بعينها أو تفضيلات قد
يكون بعضها غير جيد، مثل انتشار قصات شعر معينة بين الشباب، تقليدًا لأحد
المشاهير، فتبدأ روح التقليد والعدوى تنتشر بين الكثير من الشباب، حتى لتشعر أن
"فيروسًا" معينًا انتشر في الجو وأصاب تلك الكثرة من الشباب.
ما هي العدوى؟
تُعرف العدوى الاجتماعية بأنها "ظاهرة نفسية تنتشر فيها
السلوكيات أو المشاعر أو الأفكار بسرعة وتلقائية بين المجموعات أو الشبكات
الاجتماعية، وغالبًا دون وعي الأفراد بهذا التأثير"، وتشرح هذه العملية كيف
يمكن للأفعال أو المواقف أو المشاعر أن تنتقل من شخص لآخر.
وقد وضع نظرية العدوى الاجتماعية عالم النفس الأمريكي
" ألبرت باندورا" المتوفى عام (2021م) عن (96) عامًا، قال: "إن
الأفراد يكتسبون المعرفة والسلوك من خلال التجربة المباشرة، ومن خلال الملاحظة
والتقليد والتفاعل مع الآخرين في سياق اجتماعي".
تؤكد دراسات اجتماعية أنه كي يسود سلوك أو مشاعر أو حتى فكرة معينة، يجب أن يلاحظ
الشخص وينتبه لما يفعله الآخرون بنوع من الاستحسان، وهذا ما يعزز حالة الانتقال
السلوكي والأخلاقي، كذلك يجب أن يكون هناك تكرار لهذه السلوكيات؛ فوجود سلوك لمرة
واحدة أو مرات قليلة من الصعب أن يُوجد حالة من التأثر والانتقال في المجتمع،
وكلما تكرر السلوك كانت احتمالية انتشاره من خلال "العدوى" أكثر.
الإيحاء.. أو قابلية التأثر
قابلية التأثر: ومن الناحية الأخرى من المحددات المهمة لانتشار "العدوى
الاجتماعية" هو القابليات الموجودة لدى طرف ليتاثر بما يفعله أو يقوله
الآخرون، فبعض الأشخاص أو المجتمعات قد تكون أقل في إمكانية تأثرها، وهي حالة تشبه
تمتع بعض الأبدان بنوع من المناعة الذاتية تحميهم من انتشار عدوى الأمراض
والأوبئة.
وقد ناقشت دراسات في علم النفس والاجتماع تلك القابلية، وطرحت
سؤالاً مهمًّا "لماذا نتأثر بمن حولنا؟" وكان الجواب أن
ذلك يعود لأسباب متنوعة، منها: مدى تقديرنا لذواتنا، فالبعض لا يثق في قدراته أو
يرى في ذاته ضعفًا ونقصًا، ومن ثم يكون أكثر قابلية للتأثر بمن حوله، كذلك في
الأعمار المبكرة تكون قابلية التأثر بمن حولنا أعلى، وبخاص في الطفولة وبدايات
المراهقة ثم تقل تلك الحالة مع تقدم العمر، كما أن الظروف المحيطة قد تدفع الشخص
لكي يتأثر بمن حوله، فالأشخاص ذوو الدخول المنحفضة أو الوظائف الأدنى أو الوضع
الاجتماعي الأقل قد يكونون أكثر قابلية للتأثر بمن هم أغنى وأقوى وأشهر وأكثر علمًا
وأعلى مكانة.
ومن أوائل العلماء الذين بحثوا ظاهرة العدوى الاجتماعية، كان العالم
الفرنسي الشهير "غوستاف لوبون"، وكان يرى أن العدوى تؤدي إلى
انتشار سريع للمشاعر، وقد أسماها "النشوة الاجتماعية"،
وهي حالة تحدّث –أيضّا- عنها عالم الاجتماع الشهير "إميل دوركايم" فأكد
أنها طاقة اجتماعية مشتركة ومكثفة يشعر بها الناس عندما
يجتمعون معًا لهدف مشترك، وهنا تظهر حالة معدية من المشاعر المتأججة قد تكون بسبب
والوحدة والانتماء التي تحدث في الأماكن الجماعية مثل الاحتفالات أو الاجتماعات
الكبيرة أو جماهير الرياضة في الملاعب، فهي تخلق شعورًا بالترابط، ولذلك نجد أن
الكثير من الأشخاص يفضل أن يشاهد مباريات كرة القدم المهمة في المقاهي الكبيرة أو
وسط التجمعات الكبيرة لأنها تخلق حالة من الانتشار الجماعي للحماس أو البهجة أثناء
المشاهدة.
أخي الكريم، تؤكد خبرة الحياة أن البعض من الناس يتأثر بالعدوى ويفضل
التقليد والمحاكاة، وقد يكون لذلك التقليد جوانب سلبية أو إيجابية، وهو ما يفرض الإكثار
من النماذج الجيدة وذات الهمة العالية في المجتمع وإعطائها حقها من الإبراز حتى
يسهل انتقال سلوكياتها وأخلاقها وهمتها في المجتمع بسلاسة؛ لأن الكثير من الناس لا
تفضل لغة الأوامر في تعديل السوك أو التخلق بأخلاق معينة، ولذلك رأينا أنه في علم
الإدارة يوجد ما يسمى بـ"القيادة بالقدوة".
موضوعات ذات صلة:
هل هناك فارق بين القدوة والتقليد؟
مسؤولية القدوة في الإصلاح الاجتماعي
لماذا يتم تشويه الرموز الإسلامية؟