كيف يجري التطبيع مع الرذيلة؟

هل يترتب على تبنّي توصيف «الاضطراب السلوكي» لوازم عقدية قد تتعارض مع مفهوم المسؤولية الشرعية؟

أخي الكريم، سؤالكم يثير قضية ذات أهمية، كيف يمكن التطبيع مع الرذيلة وإفساح الطريق لها في المجتمع ليكون معترفًا بها، أو حتى أن تكون الرذيلة غير مستهجنة وغير منبوذة اجتماعيًّا؟

 

الحياد مؤقت

 

تقول الفيلسوفة الأمريكية "آين راند": "الحياد هو مرحلة مُؤقتة، بعد ذلك يبدأ الناس تدريجيًّا بالتطبيع مع الرذيلة".

 

عملية تحويل الفواحش والرذائل الأخلاقية وبخاصة الزنا والشذوذ والإدمان إلى اضطراب سلوكي، والنظر لفاعله على أنه مريض نفسي يحتاج إلى علاج، وليس مخطئًا يتوجب عقابه وفق الشرع والقانون، في تصوري أن ذلك خطوة كبيرة للتطبيع مع الرذيلة.

 

قد يكون من المفيد أن نبدأ بما جاء في سورة "النور" في عقاب جريمة الزنا، يقول تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (سورة النور: 2).

 

يقول الإمام "الفخر الرازي" في تفسيره "مفاتيح الغيب" عن مسألة الرأفة التي قد تتسبب في عدم إقامة الحد: "والمعنى لا تعطلوا حدود الله ولا تتركوا إقامتها للشفقة والرحمة.. ونبّه سبحانه وتعالى بقوله (في دين الله) على أن الدين إذا أوجب أمرًا لم يصح استعمال الرأفة في خلافه".

 

ويقترب العلامة "الطاهر بن عاشور" من المعنى أكثر فيقول: "نُهي المسلمون أن تأخذهم رأفة بالزانية والزاني فيتركوا الحد أو ينقصوه، والأخذ حقيقته الاستيلاء، وهو هنا مستعار لشدة تأثير الرأفة على المخاطبين وامتلاكها إرادتهم بحيث يضعفون عن إقامة الحد".

 

ولا شك أن الزنا من الاضطرابات السلوكية الكبيرة، لكن هذا لا ينفي المسؤولية عن فاعلها، ولكن يؤكد أن الاضطراب السلوكي هذا نتاج ممارسات متراكمة لم يقم الشخص بعلاجها وتقويم نفسه فكانت النهاية هي الوقوع في الخطيئة، وما دامت الخطيئة تم اقترافها فيتوجب إقامة الحد عليه، وإيقاع العقوبة به.

 

أسئلة مضللة

 

طرح سؤال هل الشذوذ انحراف نفسي أم مرض عضوي؟ ربما هذا السؤال يحمل في طياته استبعادًا للموقف الديني الحاسم والواضح من الشذوذ، حيث تعتبره الرؤية الشرعية خطيئة وكبيرة، رغم الاختلافات بين الفقهاء في العقوبة المتوجبة على فاعلها.

 

وقد ناقش علم النفس -على سبيل المثال- الشذوذ بين كونه مرضًا نفسيًّا أو عضويًّا، فبعد فترة من النظر للشذوذ كمرض واضطراب نفسي، وجدنا أن الجمعية الأمريكية للطب النفسي عام 1973م أزالت الشذوذ من قائمة الأمراض النفسية، وذلك بعد استفتاء لأعضاء الجمعية، كما أن منظمة الصحة العالمية أزالته من قائمة الأمراض، وأصبح يُنظر للشذوذ على أنه اضطراب في التوجه الجنسي.

 

ثم ظهرت تساؤلات أخرى عن الشذوذ هل هو اضطراب في الجينات قهري لا يمكن الفكاك منه، أم انحراف مكتسب يمكن علاجه؟

 

وجاء طرح هذا النقاش للترويج للشذوذ على أنه فطري وأمر طبيعي، وهو نقاش يروج أن الإنسان قد يولد شاذًّا بفعل الحامض النووي البشري، ولا يمكن إزالة الأمر، وبالتالي لا مجال للحديث عن عقاب سماوي على الشذوذ؛ لأن هذا الشخص مجبر عليه ولم يختر أن يكون شاذا بإرادته الحرة، هذا الاتجاه التفسيري تلقفه الملحدون سعيًا لجذب الشواذ إلى صف الإلحاد.

 

ورغم التكذيب العلمي والبحثي لعملية الترويج للشذوذ بأنه راجع لعوامل جينية، فإن الأهم في موضوعنا هو ما ذكرته عالمة الاجتماع الأميركية "آيمي بتلرAmy Butler في دراسة راجعت فيها كل الدراسات الاستقصائية التي تناولت الشواذ منذ العام 1988م، وتبين لها أن النسب كانت تتضاعف منذ العام 1991م، وهو ما يعني أن السياقات الاجتماعية والتحريض الإعلامي والقبول السياسي الذي حظي به الشواذ كان له دوره الرئيسي في انتشار الشذوذ، أما لو كان الأمر متعلقًا بالجينات فإن حجم الشواذ سيكون ثابتًا ولا يتغير لأن الجينات هي التي تتحكم في الشذوذ.

 

موضوعات ذات صلة:

هل للإيمان علاقة بعلم النفس؟

الإباحية اضطراب سلوكي أم انحراف أخلاقي؟

هل للشذوذ أبعاد فلسفية؟

ما دور الإعلام في التطبيع مع الشذوذ؟