بين متعجَّلي إقامة الصلاة وطالبي التمهُّل.. كيف يتصرف الإمام؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-EG" style="font-size:18.0pt;mso-bidi-language:AR-EG">أنا إمام في أحد المساجد الأهلية، وقد حدث خلاف مؤخرًا بين رواد المسجد وجيرانه حول الوقت بين الأذان والإقامة في كل الصلوات! فالبعض يريده قصيرًا وحجتهم أن الناس مرتبطون بمصالح وأعمال يريدون إنجازها، والبعض يريده طويلًا لإعطاء الفرصة للناس للوضوء والحضور وصلاة السنة واللحاق بالصلاة! <o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-EG" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-EG">والعجيب أن من يريد تقصير المدة بين الأذان والإقامة في صلاة ما يريد أن يطيلها في صلاة أخرى، وهكذا! وقد اشتكى لي الفريقان، والحكم في المسألة صعب لأنه ليس هناك دليل شرعي يحدد الوقت بين الأذان والإقامة يمكن الرجوع إليه، والمسألة تقديرية. فكيف أساهم في القضاء على هذا الخلاف بينهم، ونصل إلى صيغة توفيقية ترضي الله أولًا ثم ترضي الجميع؟</span>

مرحبًا بك أيها الأخ الفاضل، والإمام المبارك، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وحرصك على تحري الحكمة والشرع في إدارة مسجدك. أسأل الله أن يوفقك لما فيه الصلاح والهدى والخير، وأن يجعلك مباركًا أينما كنت، وأن يلهمك السداد في القول والعمل، ويؤلف بك القلوب، ويجمع بك الشتات، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وبعد...

 

فإن المهمة التي تضطلع بها هي من أشرف المهام، فهي إرث نبوي يحتاج إلى حلم، وصبر، وبصيرة. وما ذكرته من خلاف بين المصلين حول المدة بين الأذان والإقامة هو ضريبة التنوع البشري، وهي مسألة قديمة متجددة متكررة، وسأتناولها معك من زوايا شرعية، واجتماعية، وإدارية، لنصل إلى تصور نافع لحلها إن شاء الله.

 

التأصيل الشرعي للمسألة

 

من نعم الله علينا أن الشارع الحكيم لم يحدد وقتًا بالدقائق والثواني بين الأذان والإقامة، وهذا ليس نقصًا، بل هو رحمة وفسحة لتراعي ظروف الناس ومصالحهم بحسب الزمان والمكان. ومع ذلك، فقد وضع لنا النبي ﷺ القواعد العامة التي تضبط هذا الأمر:

 

- الغرض من الأذان: الأذان شُرع للإعلام بدخول الوقت واستعداد الناس للصلاة، فإذا أقيمت الصلاة فور الأذان، فات الغرض من الاستعداد. وقد ورد في الحديث عن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- أن مؤذن النبي ﷺ كان يمهل، فربما أخَّر الإقامة قليلًا حتى يخرج النبي ﷺ. [رواه أحمد والترمذي وأبو داود].

 

- مراعاة حال المصلين: لقد وضع لنا النبي ﷺ منهجًا واضحًا في مراعاة الاجتماع، فقد ورد في صحيح البخاري: «كَانَ النبيُّ ﷺ إذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وإذَا رَآهُمْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ». وهذا أصل أصيل في أن الإمام ينظر لمصلحة المصلين لا لهواه الشخصي.

 

- التوسعة على الناس: ورد في الأثر (سنده ضعيف، وأذكره للاستئناس) عن جابر -رضي الله عنه- أن النبي ﷺ قال لبلال: «واجْعَلْ بيْنَ أَذانِكَ وإِقامَتِكَ قَدْرَ ما يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، والشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، والمُعْتَصِرُ إذا دَخَلَ لِقَضاءِ حاجَتِهِ» [رواه الترمذي]. وهذا يدل على أن الوقت يجب أن يكون كافيًا ليقضي الإنسان حاجته ويتهيأ للصلاة بسكينة.

 

فهم الطبيعة البشرية في الخلاف

 

أشرتَ في سؤالك إلى تناقض عجيب، وهو أن من يريد التقصير في صلاة يريد الإطالة في أخرى! وهذا يا أخي ليس عجيبًا إذا فهمنا المصلحة الذاتية. فالمرء في صلاة الظهر والعصر غالبًا ما يكون في دوامة العمل، فيميل للتعجيل. أما في الفجر أو العشاء، فقد يكون في بيته فيميل للإمهال ليدرك الجماعة براحة.

 

وهنا يأتي دورك كإمام، وقائد، لترفع الناس من المصلحة الفردية إلى المصلحة الجماعية. فالناس ينظرون بعين الأنا، وأنت تنظر بعين الجميع.

 

خطوات عملية للقضاء على الخلاف

 

لحل هذه المعضلة والوصول إلى صيغة توفيقية، أقترح عليك الخطوات التالية:

 

1- تفعيل مبدأ الشورى:

 

لا تتفرد بالقرار، بل اجتمع بكبار رواد المسجد والمؤثرين من الفريقين. قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38]. في هذا الاجتماع، استمع للجميع، واجعلهم يشعرون بمسؤولية القرار. أخبرهم أن المسجد بيت الجميع، وأن المصلحة العامة يجب أن تكون سيد الموقف، مع الرفق والموازنة.

 

2- وضع لائحة زمنية ثابتة ومكتوبة:

 

الغموض يولد النزاع، والوضوح يورث الطمأنينة. اقترح عليهم وقتًا ثابتًا لكل صلاة (مثلًا: 20 دقيقة للفجر والعشاء، و15 للظهر والعصر، و10 للمغرب). بمجرد أن يتم الاتفاق، قم بطباعة هذه الأوقات في لوحة بارزة في المسجد. هذا يرفع الحرج عن المؤذن، فإذا طالب أحد بالتعجيل أو التأخير، أشار إلى اللوحة بأن هذا اتفاق جماعة المسجد.

 

3- مراعاة الواقع والاستثناءات:

 

إن صلاة المغرب وقتها ضيق، والسنة فيها تعجيل الإقامة بعد ركعتين خفيفتين. وصلاة الفجر تحتاج وقتًا أطول ليتمكن الناس من الاستيقاظ والوضوء والمشي للمسجد. وصلاة الظهر إن كانت في شدة الحر، فيُسن فيها «الإبراد» (تأخير الصلاة قليلًا)، لقوله ﷺ: «أَبْرِدُوا بالصَّلَاةِ؛ فإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ» [رواه البخاري].

 

كما أنه ينبغي مع اتباع النظام الذي يمنع الفوضى، مراعاة المرونة في الظروف الاستثنائية تقديمًا وتأخيرًا، مثل شدة المطر، والزحام الشديد، ووجود جنازة... إلخ.

 

رسالة تربوية للمصلين

 

يمكنك في إحدى الخواطر بعد الصلاة أن تذكرهم بأن انتظار الصلاة هو صلاة، وأن العبد في صلاة ما دام ينتظرها، والملائكة تصلي عليه. استشهد لهم بقوله ﷺ: «لا يَزالُ أحَدُكُمْ في صَلاةٍ ما دامتِ الصَّلاةُ تَحْبِسُهُ، والْمَلائِكَةُ يقولونَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ له، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» [رواه مسلم]. هذا يهدئ من روع المتعجلين، ويجعلهم يحتسبون الأجر في الدقائق المعدودة التي يقضونها في المسجد.

 

وختامًا فضيلة الإمام، إن الخلاف في المسائل التقديرية يُحل بالتراضي والتنظيم. اجعل كلمتك هي الفاصلة بعد استشارة أهل الرأي، وكن رفيقًا بالجميع. فإذا استقر الأمر على توقيت محدد، فلا تلتفت لكثرة الاعتراضات الفردية بعدها، فإرضاء الناس غاية لا تدرك.

 

أسأل الله أن يؤلف بين قلوب أهل المسجد، وأن يجعل مسجدكم منارة للعلم والسكينة والوئام. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. اللهم اجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، ووفق إمامنا لما تحبه وترضاه.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

روابط ذات صلة:

ماذا نفعل عندما يتحول المسجد إلى ساحة للنزاع والخصومة؟

كيف نتعامل مع تنافس الكبار على الإمامة رغم ضعف قراءتهم؟

كيف يتعامل إمام المسجد مع الخلافات بين المصلين؟

دور المسجد في المجتمع الإسلامي