ما الحكمة من اختيار موسى كليمًا لله رغم «عقدة لسانه»؟

<p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">السلام عليكم، ألاحظ شيئًا عجيبًا في قصة موسى -عليه السلام- فهو كان النبي الوحيد الذي عانى من قلة الفصاحة وعقدة في لسانه، ومع ذلك اختار الله -عز وجل- أن يمنحه شرف الكلام المباشر معه</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">سؤالي: كيف نفهم هذا الأمر؟ <o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">هل هذا يعني أن القبول عند الله ورفعة المكانة لا تقاس بالقدرة ولا المهارات؛ بل بالقلب والإخلاص والنية الصادقة؟ <o:p></o:p></span></p><p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">وكيف يمكن للإنسان أن يطمح إلى القرب من الله رغم ضعفه أو قصوره في أمور الدنيا؟</span></p>

مرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يفتح عليك فتوح العارفين، وأن يشرح صدرك، وينير قلبك، ويجعلك ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وبعد...

 

فإن قصة موسى -عليه السلام- هي أكثر قصص الأنبياء ذكرًا في القرآن الكريم، وذلك لأنها مدرسة متكاملة في فقه الدعوة، والتربية، والصلة بالله. وما لاحظتَه من مفارقة بين «عقدة اللسان» و«شرف التكليم» هو جوهر الفهم الصحيح لعلاقة العبد بربه. فالله -عز وجل- لا يختار وفق معايير «الموارد البشرية» ومؤهلاتها الدنيوية، التي تبحث عن الأكمل جسدًا أو الأكثر فصاحة؛ بل يختار بفضله وحكمته من استقام قلبه وخلصت نيتُه.

 

ولقد كان موسى -عليه السلام- يدرك أن الرسالة التي كُلِّف بها عظيمة، وأن مواجهة فرعون تتطلب بيانًا، لذا سارع بالدعاء: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: 25- 28].

 

وإليك بعض النقاط لفهم هذا التوازن:

 

- الله لا يعجزه العجز: تكليم الله لموسى رغم ثقل لسانه هو رسالة لكل البشر بأن المُعجز هو كلام الله، لا لسان البشر. فالله الذي أنطق اللسان قادر على أن يوصل رسالته عبر أي لسان، ولو كان به ألف عقدة.

 

- الصدق هو الفصاحة الحقيقية: قد يكون الإنسان أبلغ الناس لسانًا؛ لكنه أخبثهم جَنانًا، كما قال النبي ﷺ: «إنَّ أخْوَفَ ما أخافُ على أُمَّتي كُلُّ مُنافِقٍ عَلِيمِ اللِّسانِ» [رواه أحمد]. أما موسى، فكان قلبه متصلًا بالله، فجبر الله نقص لسانه بعظمة عطائه له.

 

- الابتلاء في المهارة رفعة في المكانة: اختيار موسى «الكليم» بهذا العيب في جسده (الذي تذكر الروايات أنه كان بسبب جَمرة وضعها في فمه وهو طفل) يؤكد أن الابتلاء ليس علامة نبذ؛ بل هو أداة لصياغة الشخصية العظيمة التي تتوكل على الله وحده لا على مهارتها الشخصية.

 

مقاييس القبول عند الله

 

لقد أصبتَ الحقيقة حين قلت إن القبول لا يقاس بالمهارات. فالمولى -سبحانه وتعالى- لا ينظر إلى غلاف الرسالة؛ بل إلى مضمونها.

 

يقول النبي ﷺ في الحديث الشريف: «إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صورِكم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم» [رواه مسلم].

 

وتأمل في هذه الأمثلة:

 

- بلال بن رباح رضي الله عنه: كان عبدًا حبشيًّا، قد لا يمتلك فصاحة قريش ولا جاهها، لكن صدقه رفعه ليكون مؤذن الرسول ﷺ، وممن سمع النبي ﷺ «دَفَّ نَعْلَيْهِ في الجَنَّةِ» [رواه البخاري].

 

- جليبيب رضي الله عنه: كان رجلًا بسيطًا، ليس بذي جمال ولا مال، حتى إن الناس كانوا يستخِفُّون به، ولكنه حين استُشهد، قال عنه النبي ﷺ: «هذا مني وأنا منه» [رواه مسلم].

 

إن «المهارة» -لا شك- رزق دنيوي، أما «القبول» فهو اصطفاء إلهي للروح. وموسى -عليه السلام- بصدقه وافتقاره إلى الله، استحق أن يسمع نداء الله -جل وعلا- في الوادي المقدس: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: 14].

 

كيف يطمح الضعيف إلى القرب من الله؟

 

قد يشعر الإنسان أحيانًا بأنه «أقل» من غيره؛ ربما لنقص في علمه، أو تعثر في رزقه، أو حتى لعيب في جسده أو في مهاراته الاجتماعية؛ لكن قصة موسى -عليه السلام- تفتح له باب الأمل على مصراعيه عبر الخطوات التالية:

 

- الاعتراف بالضعف سر القوة: موسى لم ينكر عقدة لسانه؛ بل وزكَّى أخاه، فقال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ [القصص: 34]. والقرب من الله يبدأ من «الافتقار»، بأن تقول: «يا رب، أنا الضعيف فقوِّني، وأنا العاجز فأعنِّي».

 

- استثمار ما تملكه: لم يتوقف موسى عن الدعوة بسبب لسانه، بل بذل جهده واستعان بأخيه. فالله يريد منك السعي بما أتاك، وسيتولى هو سبحانه النتائج.

 

- إخلاص النية: إذا كان قلبك عامرًا بحب الله والرغبة في الوصول إليه، فإن الله يطوي لك المسافات. يقول الله -تعالى- في الحديث القدسي: «ومَن تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، ومَن تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإذا أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» [رواه مسلم].

 

وختامًا أخي الحبيب، إن نقص الفصاحة في لسان موسى لم يمنعه من أن يكون «كليم الله»، ونقص المال في يد الفقير الصادق لا يمنعه من أن يكون «ولي الله». فلا تنظر إلى ما ينقصك من عَرَض الدنيا؛ بل انظر إلى ما في قلبك من عَرَض الآخرة؛ فالله يشتري منك الصدق ويبذل لك الود.

 

اللهم يا من حللت عقدة لسان موسى، ورفعت مكانته في العالمين، اشرح صدر سائلنا، ويسر أمره، واجبر كسر قلبه. اللهم لا تجعل عجزنا في الدنيا عائقًا لنا عن الوصول إليك، واجعل قلوبنا محلًّا لنظرك ورحمتك. اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل، وارفع درجاتنا بفضلك لا بعملنا، إنك سميع مجيب الدعاء.

 

روابط ذات صلة:

الحكمة من تشريع النية وجعلها ركنًا للأعمال