<p>نرجو من فضيلتكم بيان الحكم الشرعي في مسألة تحدث كثيراً في المراكز التجارية الكبيرة (المولات). ففي بعض الأحيان يكون الشخص يتسوق لفترة طويلة داخل المول ويشعر بالعطش، فيأخذ عبوة ماء أو عصيراً من الرف ويشربه أثناء التسوق، ثم عندما يصل إلى صندوق الدفع (الكاشير) يقوم بمحاسبة المحاسب على نفس العبوة بعد الانتهاء من شربها، ويعطيه العبوة الفارغة ليتم احتسابها ضمن المشتريات.</p><p> وقد أخبرني بعض الناس أن هذا الفعل غير جائز أو حرام بحجة أن المشتري لم يكن قد امتلك السلعة بعد، وأنه لا يجوز التصرف في الشيء قبل دفع ثمنه وامتلاكه. فما الحكم الشرعي في هذه المسألة؟ هل يجوز شرب الماء أو العصير من داخل المول قبل الوصول إلى الكاشير مع نية دفع ثمنه لاحقاً؟ وهل يختلف الحكم إذا كان هذا الأمر معروفاً ومتعارفاً عليه في هذه المتاجر ولا يمنعونه؟ نرجو من فضيلتكم توضيح الحكم الشرعي في ذلك، مع بيان الضوابط إن وجدت.</p>
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام
على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:
فهذه المسألة من المسائل المعاصرة،
وتحديدًا في باب البيع والشراء بالتعاطي، أو البيع الآجل، ويحكمها قواعد الشريعة،
والعرف الجاري في الأسواق.
وإجمالاً:
الفعل جائز بضوابطه إن شاء الله، وهو من قبيل التيسير في المعاملات المالية
المعاصرة التي جرى بها العرف، ما دامت حقوق أصحاب المتاجر محفوظة ومضمونة بالدفع
عند الخروج، ولا يزال الناس عبر العصور يتعاطون البيع المؤجل (يستهلكون السلعة
ويدفعون لاحقًا) من غير نكير (بدون إنكار من العلماء).
أولا: الحكم الشرعي العام
الأصل في البيع والشراء هو التراضي، لقوله
تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}. وفي المراكز التجارية الكبيرة،
يُعتبر وضع السلعة على الرف مع تحديد سعرها بمثابة "إيجاب" من البائع،
وأخذك للسلعة بنية شرائها ودفع ثمنها هو "قبول" فعلي.
ثانيًا: التفصيل في مسألة الشرب قبل
الدفع
يرى كثير من العلماء المعاصرين أن هذا الفعل
جائز ولا حرج فيه، بشرط توفر ضوابط معينة، وذلك استنادًا إلى ما يلي:
العرف الجاري: القاعدة
الفقهية تقول "العرف مُحكّم". والمراكز التجارية الكبيرة (المولات) تعلم
بوقوع هذا الأمر وتسمح به ضمنًا ما دام المشتري سيقوم بسداد الثمن عند المحاسب
(الكاشير). فالهدف الأساسي للمتجر هو بيع السلعة وقبض ثمنها، واستهلاكها قبل الدفع
بثوانٍ أو دقائق مع ضمان حق البائع لا يُعد اعتداءً في العرف التجاري الحالي.
نية التملك والالتزام بالثمن: بمجرد
فتح العبوة واستهلاكها، فقد استقر ثمنها في ذمتك دينًا واجبًا عليك، وأصبحت ملزمًا
بدفعه ولا يمكنك التراجع عن شرائها.
الضوابط الشرعية
لهذا الفعل
ولكي يخرج هذا
الفعل من دائرة الشبهة أو الحرمة، يجب مراعاة الشروط التالية:
عقد
العزم المؤكد على الدفع: أن تكون نيتك عند فتح العبوة هي الشراء
يقينًا، وليس التجربة ثم الترك أو التهرب من الدفع.
القدرة
على السداد: يجب أن يكون معك ثمن السلعة فعليًّا قبل فتحها، فلا
يجوز فتحها وأنت لا تملك ثمنها أو تظن أنك قد لا تملك المال الكافي عند الوصول
للكاشير، مثلا يكون معك من النقد ما يكفي؛ لأن البطاقات غير مأمونة، ربما لا
تستطيع الدفع لأي سبب.
الحفاظ
على "الباركود" (رمز التحقق): يجب الحرص على
عدم إتلاف العبوة أو الغلاف بشكل يمنع المحاسب من مسح الرمز ضوئيًّا؛ لأن ذلك يضيع
حق التاجر ويسبب إرباكًا في عملية الجرد.
عدم المنع الصريح: إذا
كان المتجر يضع لوحات صريحة تمنع الأكل أو الشرب قبل الدفع، فيجب الالتزام بذلك
لقول النبي ﷺ: "المسلمون على شروطهم".
ثالثًا: الرد على حجة
"عدم الملكية"
أما القول بأن السلعة لم تُمتلك بعد،
فإن الفقهاء فرّقوا بين "قبض السلعة" وبين "استقرار الثمن".
في هذه الحالة، استهلاكك للسلعة يُعد نوعًا من "الإتلاف لغرض التملك"،
وهو فعل يجعل الثمن واجبًا في ذمتك فورًا. وطالما أن العرف يتسامح في ذلك، فلا
يُعد غصبًا ولا حرامًا.
روابط ذات صلة:
البيع بثمن مؤجل (بيع التقسيط) مع الزيادة في الثمن