هدايا الشركات والمعامل للأطباء باب فساد أم ترويج مشروع؟

من المشهور بين الناس أن بعض الأطباء والمراكز الطبية تتعاون مع بعض الصيدليات وشركات الأدوية، والمعامل للترويج لمنتجاتهم بين المرضى الذين يزرون عياداتهم، ويعتبرون هذا عملا عاديا ويتقاضون مقابل ذلك نسبا وهدايا ومميزات، فما حكم الشرع في هذا الأفعال؟

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

فهذه القضية من المسائل المعاصرة التي تمسّ مهنة الطب وأخلاقياتها، وقد استفاض العلماء ولجان الإفتاء في بيان حكمها نظرًا لما قد يترتب عليها من ضرر يلحق بالمريض أو إخلال بذمة الطبيب.


إجمالاً: إن ما يأخذه الطبيب من الصيدليات أو المختبرات مقابل توجيه المرضى هو سحت وحرام، والواجب على الطبيب أن يتقي الله في مرضاه، وأن يكون دليلاً لهم على ما ينفعهم بأقل التكاليف وأجود الخدمات، والأصل في هذه المعاملات هو "المنع" وعدم الجواز، وتعتبر هذه الأموال (سواء كانت نسبًا مئوية، أو هدايا عينية، أو تذاكر سفر) من قبيل الرشوة المحرمة أو هدايا العمال (الغلول) التي نهى عنها النبي ﷺ.

 

وإليك تفصيل الحكم الشرعي:

 

أولا: القواعد الفقهية ذات الصلة

 

تستند الفتوى في هذه النازلة إلى عدة قواعد فقهية كبرى، منها:

 

قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار":

 

ارتباط الطبيب بعمولات قد يدفعه لوصف أدوية لا يحتاجها المريض أو تحويله لفحوصات غير ضرورية، وهو ضرر محض يمنعه الشرع.

 

قاعدة: "الوسائل لها أحكام المقاصد":

 

بما أن مقصود الشركة من الهدية هو "استمالة" الطبيب لترجيح منتجها على غيره (حتى لو كان غيره أفضل)، فإن هذه الوسيلة (الهدية) تأخذ حكم الحرمة.

 

قاعدة: "سد الذرائع":

 

حتى لو زعم الطبيب أنه "لن يتأثر"، فإن فتح هذا الباب يؤدي حتمًا إلى فساد الذمم ووقوع المحظور، فوجب سده.

 

ثانيًا: أسباب المنع:

 

خيانة الأمانة: الطبيب مؤتمن على مصلحة المريض، وهذه العمولات تجعله يختار الدواء أو المختبر بناءً على مصلحته الشخصية لا مصلحة المريض.

 

الإضرار بالمريض: غالبًا ما يتم تحميل قيمة هذه العمولات على سعر الدواء أو الفحص، مما يرفع الكلفة على المريض بلا وجه حق.

 

المنافسة غير العادلة: تضر بشركات الأدوية والمختبرات الأخرى التي قد تكون أجود وأرخص لكنها لا تدفع عمولات.

 

ثالثًا: فتاوى العلماء والهيئات المعاصرة

 

1. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (السعودية):

 

سُئلت اللجنة عن أخذ الأطباء عمولة من الصيدليات مقابل توجيه المرضى إليها، فأجابت: "لا يجوز للطبيب أن يتفق مع إحدى الصيدليات أو المختبرات على أن يرسل إليها المرضى مقابل عمولة يأخذها منها؛ لأن ذلك يضر بالمرضى وينافي الأمانة التي يجب أن يتحلى بها الطبيب" (الفتاوى، 23/370).

 

2. مجمع الفقه الإسلامي الدولي:

 

أكد المجمع في قراراته المتعلقة بأخلاقيات المهن الطبية أن تقاضي العمولات مقابل صرف أدوية معينة أو التحويل لمختبرات محددة هو عمل غير مشروع، لأنه يفسد ذمة الطبيب ويحول الطب من مهنة إنسانية إلى تجارة مادية.

 

3. فتوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين (رحمه الله):

 

ذكر أن الهدايا التي تقدمها شركات الأدوية للأطباء هي من "هدايا العمال" المحرمة، وقال: "إذا كان الغرض من هذه الهدايا هو الترويج لهذا الدواء فإنه لا يجوز قبولها؛ لأن ذلك يؤثر على قرار الطبيب في وصف الدواء الأنسب للمريض".

 

رابعًا: الاستثناءات (متى يجوز؟)

 

أجاز بعض العلماء قبول الهدايا "البسيطة جدًّا" التي تحمل طابعًا دعائيًّا محضًا ولا تؤثر على قرار الطبيب، شريطة أن:

 

1- أن تكون هدايا رمزية (أقلام، مفكرات، أدوات طبية بسيطة) تحمل شعار الشركة.

 

2- أن يكون الدواء الموصوف هو الأفضل سعرًا وجودة للمريض فعلاً.

 

والورع تركها مطلقًا خروجًا من الشبهة. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

حكم العمولة التي يأخذها الطبيب من معامل التحاليل ومراكز الأشعة