إذا كان العالم يشهد حالة انتحار كل نصف دقيقة، وإذا كان الانتحار أكثر ما يحصد من الشباب، فهل الانتحار قدر محتوم، أو مفاجأة غير متوقعة، أم أننا يمكن التنبؤ بالانتحار وتجفيف منابعه والأسباب التي تحرض عليه؟
أخي
الكريم، أحييكم
على هذا السؤال، الذي لا ينتظر حدوث الغرق حتى يسأل عن أطواق النجاة، ولكن يطرح
رؤية استباقية لتفادي الظاهرة الانتحارية التي تحصد ما يقرب من (720) ألفًا كل
عام، ناهيك عن مئات الآلاف من محاولات الانتحار التي لم تكتمل، وعشرات الملايين
الذين يفكرون في الانتحار.
من
المغالطات المرتبطة بالانتحار، الانتحار لا يمكن وقفه لأن إرادة الشخص عندما تنعقد
فإن الانتحار سيتحقق، كذلك فكرة أن الانتحار لا يمكن التنبؤ به نظرًا لاندهاش
الجميع عندما تتناقل الأخبار بانتحار شخص يعرفونه.
هل يمكن
التنبؤ بالانتحار؟
أخي
الكريم، يمكن
التنبؤ بالانتحار؛ فالانتحار ليس قرارًا سريعًا أو لحظيًّا في
الغالبية العظمى من حالاته، ولكن الانتحار تراكم آلام وأوجاع وضغوط وضعف نفسي عبر
فترة طويلة، ولم تستطع الأيام أن تخفف الأثقال والأوجاع عن النفس، حتى جاءت لحظة
الانهيار، التي تعبر عن فشل في فهم الحياة وفشل في التعامل معها، يقول الأديب
"لطفي المنفلوطي": "الانتحار منتهى ما تصل إليه النفس من الجبن
والخور، وما يصل إليه العقل من الاضطراب والخبل، وأحسب أن الإنسان لا يُقدم على
الانتحار، وفي رأسه ذرة من العقل والشعور".
تشير دراسة علمية نشرت
عام 2024م إلى أن "غالبية الأفراد الذين حاولوا الانتحار استشاروا أطباء قبل
المحاولة، مما يوحي بإمكانية التدخل لدى هؤلاء الأفراد الذين يسعون للحصول على
المساعدة"، ورغم تلك الملاحظة المهمة فإن التنبؤ يواجه صعوبات، ولكنها لا
تعني استحالة التنبؤ بالانتحار؛ نظرًا لأن العوامل الدافعة للانتحار معقدة
ومتداخلة، منها الصدمات المبكرة في الحياة، والاضطرابات النفسية، والعوامل البيئية
الحياتية.
ورغم
وجود إمكانية للتنبؤ فإن هناك دراسة
سابقة عن جامعة "هارفارد" الأمريكية الشهيرة نشرت عام 2016م،
وقال فيها البروفيسور "جوزيف فرانكلين": إن "التأثير المدمر
للظاهرة الانتحارية ظل ثابتًا لعدة عقود"، وهو ما يعني أن هناك صعوبة في
التنبؤ، أو أن التنبؤ لم يستطع وقف الانتحار.
وكان
"فرانكلين" استقصى ما يقرب من (365) دراسة حول الموضوع خلال خمس سنوات
سابقة حول العوامل التي يمكن من خلالها التنبؤ بالانتحار وقدرتها على أن تكون
مؤشرات في هذا المجال، وانتهى قائلاً: "أظهرت تحليلاتنا أن العلم لا يستطيع
التنبؤ بالأفكار والسلوكيات الانتحارية المستقبلية إلا بدقة تقارب دقة التخمين
العشوائي. بعبارة أخرى، فإن خبيرًا في الانتحار يُجري تقييمًا معمقًا لعوامل
الخطر، لن يتمكن من التنبؤ بأفكار وسلوكيات المريض الانتحارية المستقبلية إلا بنفس
دقة شخص لا يعرف شيئًا عن المريض ويعتمد في تنبؤه على رمي عملة معدنية. لقد كان
هذا الأمر محبطًا للغاية، فبعد عقود من البحث، لم يُحرز العلم أي تقدم ملموس في
مجال التنبؤ بالانتحار".
ومعنى
الكلام أن الخبير المتخصص في الانتحار قد يتشابه في تنبؤه للظاهرة مع شخص آخر لديه
معرفة بذلك الانسان الذي قرر الانتحار، وهو ما يعني أننا أمام صعوبة في الحصول على
تنبؤ يقترب من اليقين لهؤلاء الراغبين في الانتحار.
هل
يمكن حصار الانتحار؟
الحقيقة
أن منع الانتحار تمامًا قد يكون شيئًا مستحيلاً؛ نظرًا لتشابك العوامل المؤدية
إليه وتعقدها، كما أن تلك العوامل تصيب في أغلب الأحيان غير المؤمنين؛ نظرًا لأن
الإيمان بالله تعالى من أكبر العوامل التي تحاصر الظاهرة الانتحارية وتجفف منابعها
في النفس، وتفتح للنفس آفاق من الأمل والرحمات والرجاء الذي لا ينقطع.
أما
ما يتعلق بالدراسات الحديثة، ففي دراسة حديثة بعنوان "منع الانتحار"
نشرت عام 2024م، عن برنامج "الوقاية الشاملة من الانتحار" في الولايات
المتحدة، اقترحت سبع استراتيجيات في هذا الشأن، منها:
*
تعزيز الدعم الاقتصادي، من خلال تأمين أمن الأسرة الاقتصادي، وتحقيق استقرار في
السكن.
*
إنشاء بيئات وقائية: بمعنى محاربة المخدرات، والحد من تمكين الأشخاص المشكوك في
نواياهم الانتحارية من أدوات القتل.
*
تعزيز العلاقات الصحية في الأسرة والصداقات والمجتمع.
*
تعليم مهارات التأقلم مع الأزمة واكتساب مهارة حل المشكلات: وتعد هذه الاستراتيجية
ذات أهمية كبيرة، خاصة عندما يتعرض الشخص لأزمة طارئة مثل الرسوب الدراسي أو ترك
العمل أو الطلاق، فقد يفشل البعض في التعامل مع الأزمة ويتخذ القرار الخاطئ..
وأخيرًا
أخي الكريم،
يبقى الإيمان بالله تعالى هو العاصم الأكبر من الانتحار، ثم تأتي مسؤولية المجتمع
في تحقيق العدل وتخفيف حدة المظالم، وإتاحة الفرص للجميع، وعدم القسوة على الذين
تعرضوا لإخفاقات طارئة في حياتهم والنظر إليهم بعين الرحمة وليس بسياط التعنيف.
موضوعات
ذات صلة:
ما التصورات الخاطئة التي تقف خلف الانتحار؟
قتلت نفسها تعففًا عن سؤال الناس، هل المنتحر كافر؟
الفلسفة العدمية.. عندما يُفتقد اليقين والإيمان