<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">كيف يمكن إعادة بناء علاقة الشباب بالقرآن الكريم، بحيث يصبح مصدرًا للطمأنينة والعلاج النفسي، وليس مجرد نص يُتلى؟<o:p></o:p></span></p>
مرحبًا
بك أخي الفاضل، وأشكرك تواصلك معنا وطرحك هذا السؤال الطيب والمهم، فبارك الله
فيك، ووفقك لما يحب ويرضى، وجعلنا وإياك مفاتيح للخير مغاليق للشر، وبعد...
فدعنا
نتفق أولًا على أن علاقة الشباب بالقرآن في عصرنا الحالي قد أصابها نوع من القطيعة
أو الفتور، أو على الأقل الاعتياد الشكلي؛ حيث تحول القرآن لدى البعض إلى مجرد
كتاب للتبرُّك، أو طقس يمارس في المناسبات أو حصص الدراسة المفروضة، أو تلك الآيات
القصيرة المكررة التي نرددها في صلواتنا دون وعي ولا تجديد، بينما هو في الحقيقة
منهاج حياة وترياق للروح، كما أراد الله جل وعلا له أن يكون.
تغيير
الصورة الذهنية تجاه القرآن
إن
أول خطوة في إعادة علاقة الشباب بالقرآن إلى مسارها الصحيح هي تغيير نظرة هؤلاء
الشاب للقرآن؛ من كونه نصًّا تعبديًّا إلى كونه رسائل خاصة من الخالق سبحانه إلى
كل إنسان. يقول الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ
لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].
نحتاج
أن نقول للشاب: تخيل أنك تسلَّمت رسالة من شخص تحبه جدًّا، وتعرف أنه يحبك جدًّا
وحريص عليك وعلى الخير لك، فهل ستهملها؟ هل ستكتفي بقراءتها سريعًا؟ أم ستقرأها
بحب وإقبال وتؤدة وتمهل وتفكر وتأمل؟ ولله المثل الأعلى، فالقرآن الكريم هو رسائل
الله لك لتواجه بها أزماتك النفسية وضغوطك اليومية، وتعيش حياتك على الوجه الصحيح
الذي خلقك الله -عز وجل- من أجله.
القرآن
ملاذ آمن للسكينة النفسية
يعيش
الشباب اليوم حالة من القلق الوجودي، والركض المستمر خلف الماديات، وهنا يبرز دور
القرآن بوصفه أكبر مهدئ لهذه النفوس القلقة المضطربة. يقول الله عز وجل:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ
اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
وقد كان
النبي ﷺ إذا حَزَبَه أمر (أي أصابه هَم أو ضيق) فزع إلى الصلاة، وكان يقول لبلال:
«أرحنا بها يا بلال» [رواه أبو داود]. والراحة هنا هي راحة معية الله -عز وجل-
والاتصال بكلامه سبحانه.
الانتقال
من الكم إلى الكيف
أكبر
خطأ يقع فيه الشباب (وكذلك الكبار) في التعامل مع القرآن، هو التركيز على إنهاء
الختمة بسرعة دون فهم، لزيادة عدد الختمات. ولكن كي يؤدي القرآن رسالته ويفعل فعله
في معالجة النفوس، فلا بد من تدبره، وليس مجرد قراءته قراءة سريعة.
يقول
أحد السلف: «إن مَن كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها
بالليل، وينفِّذونها بالنهار».
نحن
بحاجة إلى تشجيع الشباب على تدبر القرآن، وإرشادهم إلى المعينات على ذلك.
ربط
قصص القرآن بالواقع المعاصر
الشباب
يحب النماذج الملهمة ويبحث عنها، والقرآن مليء بقصص الشباب الملهم، مثل أصحاب
الكهف، ويوسف عليه السلام، ومريم عليها السلام.
وعلى
سبيل المثال، قصة يوسف -عليه السلام- تعد منهجًا رائعًا للتعامل مع الخيانة،
والظلم، والغربة، والابتلاء بالشهوات، ثم التمكين والنجاح. فعندما يقرأ الشاب قصة
يوسف عليه السلام، وما ابتلي به في مراحل حياته المختلفة من ابتلاءات متنوعة، وكيف
تعامل معها وصمد أمامها، ثم يقول في النهاية: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا
يَشَاءُ﴾ [يوسف: 100] بعد كل ما مر به، يدرك أن أقداره -سبحانه- مهما كانت صعبة
فهي مغلفة بلطف الله وعونه.
الاستفادة
من التكنولوجيا الحديثة:
إن
وسائل التواصل الاجتماعي لها حضور طاغٍ في حياة الشباب؛ لذا يجب العمل على خلق
بيئة قرآنية جذابة فيها، وذلك عبر إنشاء صفحات ومجموعات تهتم بالقرآن وتلاوته
وحفظه وتدبره، والنقاش حول آياته. وتعمل على ربط القرآن بالعلوم الحديثة على
تنوعها.
تفعيل
الحلول القرآنية في الأزمات المعاصرة
إن
أحد أهم أسباب فجوة الشباب مع القرآن هو ظنهم أنه يتحدث عن أقوام ذهبوا وذهب
زمنهم، وأنه كان يقدم لهؤلاء ما يناسب عصرهم فقط، وأنه -حاشا لله- لا علاقة له
بزماننا ولا بعالمنا.
والحقيقة
التي ينبغي العمل على ترسيخها في نفوس الشباب أن القرآن كلام الله خالق البشر
جميعهم وربهم الحكيم الخبير في كل زمان ومكان، وهو لذلك صالح لكل بشر في كل زمان
وكل مكان، وهذا من إعجازه. وأنه يقدم عبر آياته نماذج كثيرة تعالج أعمق مشكلات
العصر الذي نعيشه، كالقلق، والخيانة، والخذلان، والظلم، والمقارنات الاجتماعية...
إلخ؛ لكن الأمر يحتاج إلى عقل واعٍ وقلب مبصر، كي يتدبر في آياته ويستخرج منها هذا
الخير كله.
وتأمل
في الأمثلة التالية:
-
علاج القلق حيال المستقبل:
يعيش
الشاب اليوم ضغطًا هائلًا حيال مستقبله المهني والمادي، وهنا تأتي قصة سيدنا موسى
-عليه السلام- في القرآن لتعيد له التوازن. فعندما خرج -عليه السلام- خائفًا
يترقب، وحيدًا بلا مال ولا سكن، لم يستسلم لليأس، بل بادر بالعطاء (سقى للمرأتين)
ثم التجأ لربه قائلًا: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ
فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24]، وكان من نتيجة ذلك السعي وذلك التوكل واجتماعهما معًا أن رزقه الله أمنًا وسكنًا وعملًا
وزوجة.
فيتعلم
الشاب من ذلك أن يبذل المتاح لديه، ولو كان بسيطًا، ويترك النتائج للرزاق سبحانه،
بالتوكل عليه حق توكله، فيأتيه الفرج (السكن، والوظيفة، والزوجة...) من حيث لا
يحتسب.
-
علاج الشعور بالخذلان والظلم:
يواجه
كثير من الشباب الخذلان، ومحاولات للتهميش أو التشويه أو التنمر والظلم الاجتماعي
في العمل أو الدراسة. فتأتي قصة يوسف -عليه السلام- في القرآن لتقدم منهجًا
عمليًّا للتعامل مع غدر الناس وظلم المجتمع.
فإنه
-عليه السلام- رغم غدر إخوته به، ثم تعرضه للفتنة والإغواء، ثم للافتراء عليه
واتهامه بالباطل، ثم دخوله السجن ظلمًا، لم يتحول لشخص ناقم على المجتمع كاره له،
ولم يكتئب ويعتزل؛ بل ظل مُحسنًا للناس، يُفسر رؤى صاحبَي سجنه، وملك المملكة التي
ظلمته، ويخدم الناس، ويجتهد في نفعهم، فاستحق قولهم له: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ
الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 36].
فمن
خلال هذه القصة، يخبر القرآن الشاب أن كلًّا من التوفيق والنجاح والتمكين يأتي من
خلال الحفاظ على قيم الإنسان في السراء والضراء والرضا والغضب، وخصوصًا قيمة
«الإحسان»، وعدم الاستجابة لضغوط الواقع المشوه والانهيار أمامها. كما قال يوسف
-عليه السلام- في ختام قصته: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا
يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90].
-
علاج طغيان المادة:
في
عصر وسائل التواصل التي تحاصرنا بإشعاراتها، فتنتهك خصوصياتنا، وتهدر أوقاتنا،
وتضيع حسناتنا، غير ما يحدث عبرها من مقارنات اجتماعية مستمرة، ومشاحنات وتلاسن
وتنمر... إلخ، يقدم القرآن للشباب الحل في «الاعتزال الإيجابي» المستوحى من قصة
أهل الكهف: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ
وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾ [الكهف: 16].
والكهف
في عصرنا، قد يكون هو الوقت الذي يغلق فيه الشاب هاتفه ليعيش مع ورد القرآن، أو
الذِّكر، أو الانشغال بعمل نافع، كمذاكرة دروسه، أو القراءة في كتاب يثقفه، أو بر
والديه، أو صلة الرحم بالزيارة المباشرة، أو حتى ممارسة هواية مفيدة... إلخ، فيحمي
عقله وقلبه من التشتت الرقمي، ويستعيد سكينته النفسية.
وختامًا
أيها السائل الكريم، إن إعادة بناء علاقة الشباب بالقرآن تبدأ بكسر حاجز أنه مجرد
نص مقدس نتعبد بقراءته في الصلاة والمناسبات، وفي غير ذلك نضعه على الرفوف، ثم بعد
كسر هذه الحاجز نرسخ في نفوس الشباب أنه نص أنزله الله للتطبيق في واقعنا، أيًّا
كان الزمان وأيًّا كان المكان.
إن
القرآن نزل ليكون نورًا يمشي به الشاب في ظلمات الحيرة والشك. وحين يجد الشاب في
القرآن إجابات لتساؤلاته الوجودية، وبلسمًا لجراحه النفسية، سيتشبث به تلقائيًّا
ولن يحتاج لمن يذكِّره بتلاوته.
يقول
الله -عز وجل- في سورة الإسراء وحدها:
﴿إنَّ
هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)﴾.
﴿ونُنَزِّلُ
مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ ورَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ
الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا (82)﴾.
﴿ولَقَدْ
صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ
النَّاسِ إلا كُفُورًا (89)﴾.
فاللهم
اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا
وغمومنا. اللهم علِّم شبابنا منه ما جهلوا، وذكِّرهم منه ما نسوا، وارزقهم تلاوته
آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنهم. اللهم اجعل القرآن لهم
صاحبًا في الدنيا، ومؤنسًا في القبر، وشفيعًا يوم القيامة. اللهم آمين.
روابط
ذات صلة:
القرآن الكريم.. من التلاوة المجرَّدة إلى التأثير الدعوي المقاصدي