هل أضعفت الرقمية ذاكرة الإنسان؟

هل للرقمية علاقة بضعف ذاكرة الإنسان المعاصر، وهل أصبحت ذاكرة الإنسان لا يستقر فيها إلا القليل، وأصبح قدرة الإنسان الحالي على التذكر مثل ذاكرة السمك ضعيفة للغاية، وسؤالي عن تأثير الرقمية على ضعف الذاكرة.

أخي الكريم، الرقمية أعادت هيكلة الإنسان في داخله وخارجه وفي محيطه الاجتماعي، وكانت الذاكرة الإنسانية مما خضع للتأثير الرقمي، حيث تراجعت قدرتها الاستيعابية والاسترجاعية، وأصيبت بالتشتت لكثرة وسرعة ما تشاهده، ولا تستطيع أن تحتفظ به بطريقة يمكن استرجاعها، كذلك خلقت الرقمية روحًا اتكالية، بعدما ألقت الذاكرة بمسؤوليتها على الرقمية في التخزين والاسترجاع.

 

الخرف الـــرقمي

 

أخي الكريم، تؤكد الأبحاث والدراسات الحديثة أن آثار الرقمية تتبدى مع تشعب الرقمية في مناحي الحياة الإنسانية، ولم تنجُ ذاكرة الإنسان من تلك التأثيرات؛ فالأبحاث تؤكد أن الرقمية أضعفت أنواعًا معينة من نشاط الذاكرة الإنسانية، وأسموا بعض تلك التأثيرات بـ"الخرف الرقميDigital Dementia، وأطلقوا عليه –أيضًا- "فقدان الذاكرة الرقمي"، وكلا المصطلحين يشيران إلى تراجع القدرات المعرفية للذاكرة الناجم عن الإفراط في استخدام الأجهزة الرقمية والتكنولوجيا الرقمية، حيث أصبح الدماغ الإنساني يعتمد بشكل مفرط على التكنولوجيا الرقمية، متنازلاً عن كثير من وظائفه وواجباته ومنها التذكر، فعلى المدى القصير تضعف الذاكرة، وعلى المدى البعيد يضعف التركيز ليزيد التشوش والتشتت.

 

والخرف الرقمي هو مصطلح صكه عالم النفس الألماني "مانفريد سبيتزر" عام 2012م، وهذا الخرف الرقمي ليس مرضًا عضويًّا يحتاج لعلاج طبي في أغلب الأحيان، ولكن أعراضه تتشابه مع مرض الخرف الناجم عن التقدم في العمر.

 

وقد وجدت الدراسات علاقة بين الوقت الذي يقضيه الشخص أمام الشاشة وتراجع القدرات الإدراكية، وفي دراسة علمية نشرت عام 2022م بعنوان "الخرف الرقمي في جيل الإنترنت" نصت الدراسة أنه "تُشير أدلة متضافرة من الأبحاث البيولوجية والنفسية والاجتماعية على البشر والحيوانات إلى أن التحفيز الحسي المزمن (عبر التعرض المفرط للشاشات) يؤثر على نمو الدماغ، مما يزيد من خطر الإصابة باضطرابات معرفية وعاطفية وسلوكية لدى المراهقين والشباب".

 

وأكدت الدراسة -أيضًا- أن بعض هذه التأثيرات تُشابه تلك التي تُلاحظ لدى البالغين الذين يعانون من أعراض ضعف إدراكي طفيف في المراحل المبكرة من الخرف، بما في ذلك ضعف التركيز، وتراجع القدرة على استرجاع الذكريات الماضية، وضعف التفاعل الاجتماعي، وكذلك الرعاية الذاتية.

 

تزايد الزهايمر مستقبلاً

 

الغريب الذي حذرت منه الدراسة هو تغير في حجم بعض الأجزاء من الدماغ، نتيجة الافراط في استخدام الشاشات، وهو ما يتسبب في ضعف الذاكرة والقدرة على التعلم خاصة في مرحلة نمو الدماغ، وهو ما قد يتسبب في تدهور في الذاكرة والذكاء.

 

والأخطر الذي توقعته الدراسة هو التزايد المفرط في أعداد المصابين بالزهايمر بأعداد غير مسبوقة في العقود القادمة وبخاصة في الفترة ما بين 2060 حتى 2100م لتصل إلى ما يقرب ستة أضعاف، أما السر الذي يفسر هذا التوقع فهو الإفراط في استخدام الشاشات في الأجيال الشبابية الحالية، والذين يقضون ما يقرب من ست ساعات أمام الشاشة وجزء كبير من هؤلاء عندما يصل إلى الستين من عمره، أي بعد حوالي (35) عامًا يتوقع أن يصابوا بالخرف، وهذا سيشكل ضغطًا اجتماعيًّا وإنسانيًّا واقتصاديًّا كبيرًا في المستقبل.

 

أخي الكريم، الرؤية الإسلامية تدعو دومًا إلى الوسطية، ذلك المعيار الذهبي بين الإفراط والتفريط؛ فالرقمية لا يمكن الانعزال عنها لأنها تطال الإنسان رغمًا عنه، ومن الاستحالة الابتعاد عن الرقمية، وفي المقابل فإن الإفراط الرقمي له آثاره السلبية المدمرة وغير الإيجابية على الكثير من جوانب الحياة الإنسانية وبعض من خصائص الإنسان، ومن بينها الذاكرة، تلك النعمة الكبيرة التي تحتاج إلى حماية وتنمية ورعاية، ولعل هذا ما يستوجب الاعتدال الرقمي، والخروج من أسر الشاشات إلى مساحات من الحرية الإنسانية التي تنمو فيها القدرات والعلاقات.

 

موضوعات ذات صلة:

هل للذكاء الاصطناعي تأثيرات سلبية على العقل؟

هل تغذي الرقمية عقلية القردة في الإنسان؟

بين الشاشات والقلوب.. هل فقدت الدعوة روحها الرقمية؟

لماذا أصبح الإلهاء الرقمي أزمة إنسانية؟

ما علاقة الرقمية بتعفن الدماغ؟