هل يولد الإنسان قاسيًا أم تصنعه الظروف؟!

<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لديّ استفسار أودّ عرضه على مختص في الجانب النفسي، ويتعلّق بما نراه من سلوكيات صادمة في بعض الجرائم، مثل ما كُشف في مجزرة التضامن وما شابهها.</p><p> سؤالي: كيف يمكن تفسير الحالة النفسية لشخص يقوم بقتل الناس بدم بارد دون أن تظهر عليه مشاعر تعاطف أو تردد؟ وهل يُعدّ هذا السلوك دليلاً على اضطراب نفسي معيّن، أم أنه قد يكون نتيجة عوامل بيئية وتراكمات نفسية واجتماعية (مثل التعوّد على العنف أو تلقي أوامر مستمرة)؟</p><p> كما أرجو توضيح: ما الفرق بين المرض النفسي الحقيقي وبين “التبلّد العاطفي” الناتج عن الظروف؟ وهل يمكن أن يكون الشخص طبيعيًا في جوانب أخرى من حياته، لكنه يتصرّف بهذه القسوة في مواقف معيّنة؟ وهل لهذا النوع من السلوك مؤشرات مبكرة يمكن ملاحظتها قبل الوصول إلى هذه المرحلة؟ شاكرين لكم جهودكم، ونفع الله بعلمكم.</p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

 

سؤالك عميق ومؤلم في آنٍ واحد؛ لأنه يلامس منطقة معقّدة من النفس الإنسانية، حيث يلتقي الاضطراب الفردي بتأثير البيئة والظروف القاسية. والإجابة عنه تحتاج إلى قدر من التوازن بين الفهم العلمي والوعي الإنساني.

 

أولًا: كيف نفسّر سلوك القتل بدم بارد؟

 

من المعروف تربويًّا ونفسيًّا أن هذا السلوك لا يُختزل في سبب واحد، بل هو نتاج تفاعل معقّد بين عوامل نفسية وبيئية، ويُفهم في ضوء ما يُعرف بـ:

 

- التبلد (Desensitization) التبلّد الانفعالي، وهو فقدان الحساسية تجاه مشاهد الألم نتيجة التكرار المستمر، كما يحدث في بيئات العنف أو الحروب.

 

- وكذلك (Moral Disengagement) الانفصال الأخلاقي، وهي آلية نفسية وصفها "باندورا"، حيث يُعيد الشخص تبرير أفعاله العنيفة بحيث لا يشعر بالذنب (مثل: "أنا أنفذ أوامر"، "الضحية تستحق").

 

- والأخطر هو (Obedience to Authority) الطاعة العمياء للسلطة، كما في تجارب "ميلغرام"، حيث قد يرتكب الإنسان أفعالًا قاسية تحت ضغط الأوامر.

 

إذن، ليس كل من يفعل ذلك "مريضًا نفسيًّا" بالضرورة، بل قد يكون إنسانًا تم إعادة تشكيل وعيه وسلوكه في بيئة منحرفة.

 

ثانيًا: هل هذا دليل على اضطراب نفسي؟

 

الإجابة الدقيقة:

 

أحيانًا نعم، وأحيانًا لا.

 

في بعض الحالات، قد يرتبط الأمر باضطرابات مثل: (Antisocial Personality Disorder) اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع؛ حيث يظهر غياب التعاطف والندم بشكل مستمر.

 

لكن في حالات أخرى، يكون السلوك نتيجة:

 

التعرّض المزمن للعنف.

 

التلقين الأيديولوجي.

 

الضغوط الشديدة والخوف.

 

وهنا لا نتحدث عن "مرض" بقدر ما نتحدث عن تشوّه في البناء النفسي (Psychological Distortion).

 

ثالثًا: سؤالك عن الفرق بين المرض النفسي والتبلّد العاطفي:

 

١) المرض النفسي..

 

هو اضطراب داخلي مستمر يؤثر على التفكير والمشاعر والسلوك، وغالبًا ما يظهر في مختلف جوانب الحياة.

 

٢) أما التبلّد العاطفي..

 

فهو استجابة دفاعية مؤقتة أو مكتسبة، يفصل فيها الإنسان مشاعره عن أفعاله، خاصة في البيئات القاسية.

 

بمعنى آخر: المريض لا يستطيع غالبًا التحكم، أما المتبلّد فقد "تعلم" ألا يشعر.

 

رابعًا: هل يمكن أن يكون هذا الشخص طبيعيًّا في جوانب أخرى؟

 

نعم، وهذه من أخطر النقاط.

 

فقد يظهر الشخص طبيعيًّا في حياته اليومية (أسرة، عمل)، لكنه في سياق معين يمارس سلوكًا قاسيًا نتيجة ما يسمى: (Context-Dependent Behavior) السلوك المعتمد على السياق، أي أن السلوك يتغير حسب البيئة والظروف.

 

وهذا يفسر كيف يمكن أن يجتمع "الوجه الإنساني" مع "السلوك العنيف" في نفس الشخص.

 

خامسًا: هل هناك مؤشرات مبكرة؟

 

نعم، ومن المهم الانتباه لها، منها:

 

- ضعف التعاطف أو غيابه.

 

- التبرير المستمر للسلوك العدواني.

 

- الاستمتاع بمشاهد العنف أو عدم التأثر بقسوتها نفسيًّا.

 

- القسوة في التعامل مع الآخرين أو الحيوانات.

 

- الميل للطاعة العمياء دون تفكير نقدي.

 

- الانفصال عن القيم الأخلاقية تدريجيًّا.

 

(هذه المؤشرات السابقة لا تعني حتمية الخطر، لكنها إشارات إنذار مبكر).

 

قال الله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾، وقال ﷺ: "لا يُؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وهذا يؤكد أن الأصل في النفس السوية هو الرحمة والتعاطف والشعور بالأخرين، وأن فقدانهما انحراف يحتاج إلى فهم ومعالجة.

 

* همسة أخيرة:

 

الإنسان لا يولد قاسيًا، لكنه قد يصبح كذلك إذا: تكرّر تعرضه للعنف، أو تم تجريده من إنسانيته، أو تعلّم تبرير الخطأ.

 

ومن هنا تأتي مسؤوليتنا التربوية:

 

أن نُنشئ أبناءنا على الوعي، والتعاطف، والاستقلال الأخلاقي، لا مجرد الطاعة.

 

روابط ذات صلة:

أصبحت قاسية.. هل الحرب سرقت رقتها؟!