الحياة سوداء بعد وفاة خطيبي.. كيف أتعافى؟

<p>السلام عليكم ورحمة الله، ،كيف أتعافى من صدمة وفاة خطيبي؟ أنا تعبانة جدًا نفسيًا منذ وفاة خطيبي، ولا أستطيع التوقف عن التفكير فيه والبكاء، كيف أستطيع تجاوز هذا الحزن؟</p><p> أرجوكم ساعدوني، أختكم تعاني معاناة لا يعلم بها إلا الله، حزن شديد يلازمني طوال الوقت، وكأني غير قادرة على استيعاب ما حدث، ولا أستطيع تجاوزه، صعب، فكل شيء حولي يذكرني به، وأعيش حالة من الألم المستمر الذي يرهقني نفسيًا بشكل كبير، وأنا أحاول أن أتماسك وأرضى بقضاء الله وقدره، لكني في داخلي منهارة، ولا أعرف كيف أتعامل مع هذا الفقد.</p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك ابنتي الكريمة في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.

 

أنت بالفعل -يا ابنتي- غير قادرة على استيعاب ما حدث.. عقلك يدرك أنه رحل لكنه حاضر في قلبك.. إحساسك به حي، وبالتالي أنت لا تستطيعين التجاوز.

 

ابنتي، لعل من حولك لا يتفهمون ما تشعرين به، لعلهم يقولون لك لقد كان مجرد خاطب ولم يكن زوجك، لعل البعض يرى أنك تبالغين، ولعل البعض يطالبك بسرعة التعافي ويطالبك أن تكوني أكثر قوة من ذلك، وهذا كله يمثل مزيدًا من الضغط عليك.

 

أنت تسمعين من حولك يقولون لك سوف تتحسنين بمرور الوقت، وأنت لا تشعرين بهذا التحسن، بل تشعرين أنك لا تزالين في قلب العاصفة.

 

دورة الحزن

 

ابنتي الغالية، ما تشعرين به طبيعي جدًّا ومفهوم جدًّا ومؤلم جدًّا.. حكاه الله سبحانه وتعالى عندما حدثنا عن قصة نبي الله يعقوب وتجربة فقده ليوسف.. ربما هي ليست نفس تفاصيل القصة لكنه الوجع والحزن الطويل والذي قد لا يفهمه المحيطون.. لذلك شكا يعقوب حزنه الذي يشعر به لله سبحانه وتعالى، وهذا ما أدعوك إليه.

 

الله يسمعك ويعرف ما في قلبك ومقدار حزنك ووجعك فلا تترددي في بث حزنك له.

 

أريدك أن تسمي المشاعر التي تشعرين بها.. مثلاً أنا أشعر بعدم الأمان.. أشعر أن مستقبلي لم يعد واضحًا.. أنا حزينة لأن الذي رحل ليس مجرد شخص، بل أحلام وحياة كنا نبنيها.. أشعر بالضغط ممن حولي.. تسميتك لمشاعرك يجعلها رغم الألم محاصرة في نطاق محدود ويساعدك في التعامل التدريجي معها.

 

ابنتي الغالية، مشاعر الحزن تأتي على هيئة نوبات أريدك أن تعرفي هذا حتى لا تصدمي مما تشعرين به، بمعنى أنت الآن تشعرين بحزن شديد فلا تنتظري أن الحزن سيبدأ في الهدوء رويدًا رويدًا حتى يخفت.. الذي يحدث أنك ستشعرين في بعض الأوقات بمشاعر الهدوء والسكينة تتخللك خاصة بعد الصلاة والذكر، ثم تعاودك مشاعر الحزن والفقد، ثم تشعرين بالسكينة، ثم يأتي ما يذكرك.. يحدث هذا على شكل نوبات، لكن تدريجيًّا وبمرور الوقت ستجدين أن حدة هذه الموجات والنوبات تهدأ.

 

أنت بحاجة ماسة لصديقة تسمعك دون أن تصدر أحكامًا عليك.. دون أن تقوم بتوجيهك.. دون أن تتعجلك.. صديقة تحتوي حزنك.

 

جربي أن تكتبي مشاعرك على الورق أو تسجليها هذا يخرج جزءًا من طاقة الحزن التي يمتلئ بها قلبك.

 

التعايش مع الحزن

 

ابنتي الكريمة، الهدف ليس النسيان فأنت لن تنسي هذا الرجل، وإنما الهدف أن نستطيع عيش الحياة مع هذا الحزن.. على الأقل في هذه المرحلة.. نبي الله يعقوب لم يفقد الصلة بالحياة وتفاصيلها، رغم حزنه فكان يتعهد أبناءه ويوصيهم، بل ويخشى عليهم من الحسد.

 

ابدئي ولو بشيء بسيط جدًّا، ولو أنك تخرجين للمشي لمدة 30 دقيقة.. ولو أنك تشاركين عائلتك وجبة.. ولو أنك تزورين صديقة أو حتى تتحدثي إليها هاتفيًّا.

 

غاليتي، اقرئي كل يوم لمدة 30 دقيقة في كتاب الله، ثم ادعي للراحل وثقي أن دعاءك يصله.. الدعاء عمل إيجابي يناقض العمل السلبي للحزن والذي يدفع الإنسان إلى القعود والكف عن الحياة فتشعرين أنك غير قادرة على الحركة يقتات الحزن على قلبك وأنت ساكنة هامدة.. الدعاء خاصة بعد قراءة القرآن يحرك دواخلك الساكنة لأنك تقومين بعمل حقيقي وفعال.

 

خذي وقتك في الحزن، ولكن لا تجعلي الحزن يبتلع حياتك كلها.. اسمحي لنفسك بالحزن والبكاء، ولكن خذي خطوات صغيرة جدًّا نحو الحياة.. اقبلي مشاعرك ولا تنكريها، ولكن ذكري نفسك بأهمية الإيمان بالقدر خيره وشره.

 

عيشي معاني وظلال الصبر الجميل.. الصبر الجميل لا ينكر الحزن ولا يتعجل التعافي ولا يمنع الدموع، ولكن يحيط ذلك بالرضا بقضاء الله بالاسترجاع بالدعاء أن يخلف لنا خيرًا.

 

اقرئي قصة أم المؤمنين أم سلمة لتفهمي ما أقصد قوله، لم يكن هناك من هو أهم وأغلى وأعز في حياتها من أبي سلمة، ولم تكن تتصور أن هناك من هو مثله حتى يكون هناك من هو أفضل منه، ولكنها استرجعت وقالت الدعاء امتثالاً، حتى لو لم تكن تشعر بمعانيه (إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها).

 

وأنت -غاليتي- يوما ما ستجدين نفسك وقد أصبحت الذكرى موجودة، ولكن مشاعر الحزن العميق المتعلقة بها قد انفصلت عنها.. لا تتعجلي هذا اليوم فقط اجعلي الحياة تزاحم الحزن، حتى لو مارست الحياة دون شغف.

 

أما لو شعرت أنك عاجزة عن ممارسة أي فعل وأن الوقت يمر ودرجة الحزن لا تخفت ولو قليلاً ولو في بعض الأحيان.. لو شعرت بأنك تعانين من اضطراب في النوم.. رافضة للطعام.. لا تهتمين بأمورك ونظافتك الشخصية، فهنا يجب عليك مراجعة الطبيب النفسي قبل أن يتحول الحزن لاكتئاب، وإن كنت واقعة في الاكتئاب بالفعل فقبل أن تزيد درجته.

 

دعاء الهم والحزن

 

ابنتي الكريمة، أوصيك بدعاء عظيم يُذهب عنك كثيرًا مما تشعرين به فقط لو استحضرت قلبك وأنت تقولين كلماته.. فقد ثبت عن النبي أنه قال: (ما أصاب أحدًا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرجًا، قال: فقيل: يا رسول الله ألا نتعلمها؟ فقال: بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها).

 

الناصية -يا ابنتي- هي موضع عمليات التفكير العليا وموضع المشاعر والعواطف والخوف والقلق، وهذه كلها بيد الله عز جل.

 

الدعاء -يا ابنتي- يقوم بعملية إحلال وتبديل؛ فالقلب موطن الهم، والحزن يزاحم بالقرآن فيبتهج القلب ويتحول لحالة الربيع ويشرق بالنور بعد أن كان ساكنًا في الظلام.. الدعاء يعني أن يكون لك ورد من القرآن، ويعني أن تفزعي للقرآن عندما تشتد عليك نوبات الحزن.. أسعد الله قلبك -يا ابنتي- ويسر حياتك، ولا تترددي في الكتابة لنا مرة أخرى.

 

روابط ذات صلة:

فقدت طعم الحياة بفقدان جدي!!

كرهت الدنيا بعد وفاة توأمي!!!