نظام الطيبات في ميزان الشريعة

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. انتشر في الآونة الأخيرة جدل واسع حول ما يُعرف بـ “نظام الطيبات” الذي يتحدث عنه الدكتور ضياء العوضي، وقد صدر عن الأزهر الشريف توضيح يؤكد أن الإسلام دين سعة واعتدال، وأن الأصل في الأطعمة هو الحل ما لم يرد نص بالتحريم، وأن النبي ﷺ أكل من الطيبات ولم يأتِ الشرع بمنع الناس من أنواع الطعام المباحة.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">لكن ظهرت عندي عدة تساؤلات أرجو منكم توضيحها شرعًا وعلميًّا فالأطعمة في عصرنا الحالي لم تعد دائمًا على طبيعتها الأولى، بل دخلت عليها الهرمونات، والمضادات الحيوية، والمواد الحافظة، والتعديلات الصناعية، حتى أصبح بعض الأطباء والمتخصصين يحذرون من الإفراط فيها لما قد تسببه من أضرار صحية وأمراض مزمنة.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">ومن هنا فإن بعض الأنظمة الغذائية — ومنها ما يسمى بنظام الطيبات — لا تدعو فيما يبدو إلى تحريم ما أحل الله، وإنما إلى تجنب الأطعمة التي تغيرت طبيعتها بسبب التدخلات الصناعية والكيميائية، والتركيز على الطعام الأقرب للفطرة والأقل ضررًا.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">وسؤالي هنا: هل يجوز شرعًا للإنسان أن يمتنع عن بعض الأطعمة المباحة — كالدجاج التجاري أو بعض المنتجات المصنعة — بقصد الحفاظ على صحته، دون اعتقاد تحريمها شرعًا؟<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">وهل يُعتبر التحذير من الأطعمة التي يُظن أو يُثبت طبيًا ضررها نوعًا من التوعية الصحية المباحة، أم يدخل ذلك في باب التشدد أو تحريم ما أحل الله؟ وكيف نوازن بين: قاعدة “الأصل في الطعام الإباحة” وبين قاعدة “لا ضرر ولا ضرار” خصوصًا مع تغيّر طبيعة الغذاء في هذا العصر مقارنة بالأزمنة السابقة؟<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">كما نرجو توضيح الفرق بين من يقول: “هذا الطعام حرام شرعًا” وبين من يقول: “هذا الطعام قد يكون ضارًا صحيًا فأنا أتركه احتياطًا لصحتي” وهل يدخل اختيار الطعام الأنقى والأقل ضررًا ضمن معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾؟<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">ولدي أيضًا أسئلة متعلقة بالأحاديث والسيرة النبوية في باب الطعام والشراب: هل ثبت في حديث صحيح أن النبي ﷺ أكل الدجاج بنفسه؟ وهل وردت أحاديث صحيحة عن البطيخ أو بعض الأطعمة الأخرى المتداولة بين الناس؟ وهل ثبت أن النبي ﷺ شرب حليب البقر بنفسه؟ أم أن الثابت في السيرة والأحاديث هو شربه ﷺ لحليب الماعز والإبل فقط؟ وهل جميع الأحاديث المنتشرة عن فوائد بعض المأكولات والأطعمة صحيحة وثابتة؟ أم أن في هذا الباب أحاديث ضعيفة أو غير دقيقة يتم تداولها دون تحقق؟<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">وما الضابط الشرعي في التعامل مع الأحاديث المتعلقة بالغذاء والطب النبوي، خاصة مع كثرة المقاطع والمنشورات المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي؟<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">جزاكم الله خيرًا وبارك في علمكم ونفع بكم الأمة</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p>

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد

 

فأهلاً وسهلاً بك أخي الكريم لقد طرحت تساؤلات غاية في الأهمية تلمس واقعنا المعاصر الذي اختلطت فيه الحقائق بالأوهام، وافتتن كثير من الناس بنظريات المؤامرة التي لا يقوم عليها دليل علمي ولا عقلي، أما حشر المفاهيم الشرعية فقد جاء فقط لإضفاء هالة من القدسية على التخاريف التي لا يؤيدها بحث ولا تجربة، ودعنا نناقش الأمر بشكل علمي بعيدًا عن الأسماء.

 

اختصارًا: الأصل في الأطعمة هو الإباحة، والامتناع عن طعام معين كالمرتبط بالهرمونات أو المصنعات بقصد "الحمية" أو "الوقاية الصحية" هو أمر مباح بل ومندوب إليه شرعًا من باب الحفاظ على النفس، ولا حرج فيه ما دام الشخص لا يعتقد "تحريمه" شرعًا على الناس. أما تحويل القناعات الطبية الشخصية إلى "أحكام شرعية" تُحرم ما أحل الله، فهو مسلك غير صحيح وينافي وسطية الإسلام، وعلى عكس ما يعتقد ثلة من البشر لم نعد ندري كثيرة مخدوعة، أم قليلة مصنوعة فقد قام الدليل الشرعي على تحريم كثير من المسموحات، وإباحة الكثير من الممنوعات في هذا النظام، وإلى الله المشتكى وهو المستعان.

 

القواعد الفقهية الحاكمة:

 

لضبط هذا الباب، نعتمد على القواعد الكلية التالية:

 

1. الأصل في الأشياء الإباحة: كل ما لم يرد نص صريح بتحريمه فهو حلال، ولا يجوز إخراج طعام من دائرة الحلال إلا بدليل شرعي قطعي.

 

2. لا ضرر ولا ضرار: قاعدة نبوية تمنع الإنسان من تناول ما ثبت ضرره يقينًا على صحته.

 

3. المشقة تجلب التيسير: التشدد في تحريم قائمة طويلة من المباحات يوقع الناس في حرج وضيق لم يأمر به الشرع.

 

4. درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: إذا ثبت طبيًّا أن ضرر مادة معينة يفوق نفعها، جاز التحذير منها طبيًّا.

 

تخريج ما ورد من الإشارات إلى النصوص الدينية في السؤال:

 

الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾: الطيبات هنا تشمل ما طاب طعمه، وما كان حلالاً في كسبه، وما كان نافعًا غير ضار. واختيار الأنقى يقع في صلب "الطيبات".

 

حديث أكل الدجاج: ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث زَهدم الجرمي قال: "رأيت النبي ﷺ يأكل دجاجًا". فالدجاج أصله الحل الصريح. (ورد في كتاب الذبائح والصيد باب لحم الدجاج برقم 5517).

 

حديث البطيخ: ورد في السنن (أبو داود والترمذي) أن النبي ﷺ "كان يأكل البطيخ بالرطب"، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه.

 

حديث ألبان البقر: ثبت عنه ﷺ أنه قال: "عليكم بألبان البقر؛ فإنها تَرُمُّ من كل الشجر" (رواه الحاكم وصححه الألباني). وهذا دليل صريح على شربه أو أمره بشرب لبن البقر، وليس الماعز والإبل فقط.

 

الإجابة عن التساؤلات واحدًا واحدًا:

 

1. هل يجوز الامتناع عن أطعمة مباحة (كالدجاج التجاري) للحفاظ على الصحة؟

 

نعم، يجوز تمامًا. يُسمى هذا عند الفقهاء "الترك" وليس "التحريم". النبي ﷺ نفسه ترك أكل "الضب" مع أنه حلال، وقال: "أجدني أعافه"، فمن عاف طعامًا لأنه يراه غير صحي أو مشبعًا بالهرمونات فلا إثم عليه، بل يُؤجر على نية حفظ صحته.

 

2. هل التحذير من الأطعمة الضارة "تشدد" أم "توعية"؟ وكيف نوازن؟

 

هو توعية صحية طالما بقي في إطار (النصيحة الطبية). الموازنة تكمن في أن "الأصل هو الإباحة" (شرعاً)، لكن "الضرر ممنوع" (طبًّا وشرعًا). فإذا ثبت طبيًّا أن دجاجًا معينًا يسبب خللاً هرمونيًّا لشخص ما، يصبح الامتناع عنه في حقه واجبًا من باب "لا ضرر"، دون أن نعمم التحريم على الأمة كلها.

 

3. الفرق بين "هذا حرام" و"هذا ضار"؟

 

• هذا حرام: حكم شرعي يقتضي العقاب على الفاعل، ويحتاج لنص من الوحي.

 

• هذا ضار: حكم قدري طبي يقتضي الحذر والوقاية، ويخضع للبحث العلمي المتغير. والخلط بينهما هو لب المشكلة في "نظام الطيبات".

 

4. هل اختيار الطعام الأنقى يدخل في قوله تعالى (كلوا من الطيبات)؟

 

بكل تأكيد. الله يحب لعباده الأفضل. فإذا كان أمامك طعام مرشوش بمبيدات وطعام طبيعي نقي، فإن اختيار النقي هو الأقرب لروح الآية وللفطرة السليمة.

 

5. ما الضابط في التعامل مع أحاديث الغذاء والطب النبوي على السوشيال ميديا؟

 

• التثبت: ليس كل ما يُنشر حديثًا. كثير منها أحاديث موضوعة (مكذوبة) أو ضعيفة جدًّا (مثل أحاديث فوائد الباذنجان أو العدس أو بعض أنواع الفاكهة).

 

• التخصص: الطب النبوي ليس "بديلاً" عن الطب المعاصر، بل هو إرشادات عامة. النبي ﷺ أمرنا بالتداوي، والطب المعاصر هو تطور لهذا الأمر النبوي.

 

• قاعدة ذهبية: إذا وجدت شخصًا يربط كل "نظام غذائي" بآية أو حديث بشكل قطعي ويحرم ما لم يحرمه الله، فاعلم أن لديه خللاً في المنهج، فالصحة تُطلب من الأطباء، والحلال والحرام يُطلب من العلماء.

 

فترك العلاج الضروري الذي يترتب على تركه هلاك النفس أو تلف الأعضاء (مثل الأنسولين لمرضى السكر النوع الأول أو الغسيل الكلوي) هو محرم شرعًا، ويُعد نوعًا من الإلقاء بالنفس إلى التهلكة. أما من يتصدى لإعطاء نصائح طبية تخالف الحقائق العلمية المستقرة وتؤدي إلى الوفاة، فإنه يتحمل المسؤولية الجنائية والمالية (الدية) في الدنيا، وعليه الوزر العظيم في الآخرة؛ لأنه تسبب في إزهاق روح بغير حق عبر "التغرير" بالمريض.

 

وتحكم هذه المسألة عدة أدلة شرعية منها:

 

وجوب التداوي: ذهب جمهور الفقهاء والمجامع الفقهية إلى أن التداوي يكون واجبًا إذا كان المرض يهدد الحياة وكان العلاج ناجعًا ومقطوعًا بفائدته.

 

• قاعدة "الضمان بالتسبب": من باشر فعلاً أو تسبب فيه (بنصيحة جازمة من شخص يُظن فيه العلم) أدى إلى تلف، فهو ضامن.

• حديث "من تطبب ولم يُعلم منه طب فهو ضامن": نص نبوي صريح (رواه أبو داود والنسائي) يحمّل المتصدي للطب المسؤولية الكاملة عن أي ضرر يحدثه إذا لم يكن أهلاً لذلك، أو إذا خرج عن أصول المهنة المتعارف عليها.

 

وختامًا، عِش صحيحًا، اختر لنفسك أجود الطعام فهذا من شكر النعمة، لكن إياك أن تضيق سعة الله على الناس أو تصف طعامًا "بالخبيث" وهو مما أحله الله في كتابه.

 

جعل الله مطعمكم طيبًا، وصحتكم دومًا في أحسن حال. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

نظام «الطيبات».. بين الاجتهاد الطبي والمفهوم الشرعي

«نظام الطيبات».. ثورة أم تضليل؟