بخصوص الإمساك عن الشعر والأظافر لمن أراد التضحية، إذا اضطررت طبياً لإزالة شعر أو تقليم ظفر لكسر آلمني، هل تفسد الأضحية أم يلزمني فدية؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، لا داعي للانزعاج أبدا، فالتداوي أمر مندوب إليه
شرعًا، والألم عذر شرعي يوجب التخفيف.
اختصارًا: أضحيتكم
صحيحة ومجزئة تمامًا ولا تفسد مطلقًا؛ إذ لا علاقة بين صحة الأضحية وبين الإمساك
عن الشعر والأظافر، ولا تجب عليكم أي فدية أو كفارة؛ لأن الفدية إنما تجب على
المحرم بالحج أو العمرة إذا قص شعره أو ظفره، أما المضحي فلا تجب عليه فدية
بالإجماع حتى لو قص لغير ضرورة، فكيف إذا كانت هناك ضرورة طبية؟
بل
إن إزالة الشعر أو تقليم الظفر المكسور لأجل
المداواة أو لدفع الألم أمر مندوب إليه شرعًا عند جميع الفقهاء، والضرورات تبيح
المحظورات.
وللتفصيل:
فقد
اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن من قص شعره أو قلم أظفاره من المضحين لضرورة
طبية أو لدفع أذى كظفر انكسر وآلمه أو شعر نبت في عينه أو احتاج لإزالته فلا إثم
عليه ولا حرج، كما اتفقوا على أن الأضحية لا تبطل بذلك، وتفصيل أقوالهم في حكم
الإمساك والفدية كالتالي:
• المذهب الشافعي والمذهب المالكي: يَرون أن الإمساك عن الشعر والأظافر لمن
أراد التضحية هو سُنّة ومستحب، وقصها مكروه كراهة تنزيهية وليس حرامًا. فإذا دعت
الحاجة أو الضرورة الطبية لقصها، زالت الكراهة تمامًا وصار الفعل مباحًا، ولا فدية
فيه عندهم قولاً واحدًا.
• المذهب الحنبلي: يَرون أن الإمساك واجب ويحرم القص لغير عذر؛ لحديث أم سلمة
رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ
أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا» رواه مسلم.
ولكنهم نصّوا على أنه إذا وُجدت ضرورة أو حاجة طبية كالمداواة ودفع الألم جاز القص
بلا حرمة ولا كراهة، ولا تجب فدية؛ لأن الشرع لم يرد بوجوب الفدية على المضحي،
والقياس على المحرم في الحج قياس مع الفارق.
• المذهب الحنفي: يَرون أن الإمساك مستحب فقط، وقص الشعر والأظافر في العشر
الأوائل مباح للمضحي ولا كراهة فيه، وبالتالي يجوز عندهم للضرورة ولغير الضرورة
دون إثم أو فدية.
جاء
في كتاب "المغني" لابن قدامة الحنبلي": إذا
ثبت هذا، فإنه يترك قطع الشعر وتقليم الأظفار، فإن فعل استغفر الله تعالى، ولا
فدية فيه إجماعًا، سواء فعله عمدًا أو نسيانًا" المغني، 9/436.
ثانيًا:
فتاوى المجامع الفقهية ودور الإفتاء المعاصرة:
أكدت
المجامع الفقهية ودور الإفتاء المعاصرة على ما استقر عليه الفقه الإسلامي من
التيسير عند الحاجة الطبية، ونصّت فتاواهم على الآتي:
اللجنة
الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية:
سُئلت
اللجنة الدائمة عن المضحي إذا انكسر ظفره أو آذاه شعر فهل يقصه؟ فأجابت بما يلي:
"المشروع في حق من أراد أن يضحي إذا دخلت
عشر ذي الحجة ألا يأخذ من شعره ولا من أظفاره ولا بشرته شيئًا... أما إن أخذ من
ذلك لحاجة، كقص ظفر انكسر يؤذيه، أو شعر نبت في عينه يؤذيه، أو قصه لأجل مداواة
جرح ونحو ذلك: فلا حرج عليه في ذلك". فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة
الأولى، المجلد 11، صفحة 397، الفتوى رقم 1443.
دار
الإفتاء المصرية:
أكدت
دار الإفتاء المصرية في أكثر من محفل وفتوى رسمية أن النهي الوارد في الحديث يحمل
على كراهة التنزيه لا التحريم عند جمهور العلماء، وجاء في نص فتواها:
"أما مَن أخذ من شعره أو أظفاره لعذر أو
ضرورة، كأن انكسر ظفره فقصَّه ليدفع أذاه، أو احتاج إلى حلق موضع في رأسه للعلاج،
فلا كراهة عليه في ذلك ولا إثم، وأضحيته صحيحة مجزئة، ولا يلزمه فدية؛ لأن الفدية
خاصة بمحظورات الإحرام في الحج والعمرة فقط، ولا تُقاس عليها الأضحية". موقع
دار الإفتاء المصرية الرسمي، الفتوى رقم 3115، باب: أحكام الأضحية. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
المضحي قص أظافره وأضحيته عرجاء مكسورة.. فهل تجزئه؟