هل يشكل التفكير العاطفي عقبة أمام رؤية الحقائق بصورة صحيحة وكيف نتخلص من آثاره السلبية؟
أخي الكريم، هناك
أنواع من التفكير تسيطر على العقل وتدفعه إلى النظر للأمور بطريقة غير صحيحة،
وينتج عن ذلك أخطاء في النظر للأمور وفي تقديرها والحكم عليها والتعامل معها، ومن
ثم تقع الكوارث والخسائر.
التفكير العاطفي
هو أحد أنواع التفكير التي تؤدي إلى أخطاء وخسائر، وهو عملية ذهنية يبني فيها
الشخص استنتاجاته وقرارته على مشاعره وعواطفه بدلاً من الحقائق الموضوعية، وكأن
هذا الشخص يقول ما أشعر به هو الموجود والحقيقي، وهذا النوع من التفكير يتسبب في
تشوهات معرفية عميقة وسوء في الإداركات، وأخطاء سلوكية.
ما هو التفكير
العاطفي؟
في البداية يجب
أن نعترف أن المشاعر قد تكون دوافع للسلوك في بعض الأحيان، وهذه المشاعر قد تخدع
الشخص؛ لأنها تحجب قدرًا من الواقع والحقائق عن الرؤية، أو قد تراها من خلال ما
تتصوره عنها، ولذلك يقال المشاعر والعواطف دوافع قوية ولكنها ليست دقيقة دائمًا.
أخي الكريم، التفكير
العاطفي –لا شك أنه تشوه معرفي- لأنه يجعل العقل يظن أن شيئًا ما يبدو صحيحًا،
وهذا الاعتقاد ناشئ عن العاطفة، وليس مستندًا إلى المنطق والدليل والحجة والبرهان.
متى يحدث التفكير
العاطفي؟
أخي الكريم، بعض
الناس يفكرون بطريقة عاطفية، ويظهر ذلك في النساء أكثر من الرجال، فعقل المرأة
يكاد أن يكون عاطفيًّا، وهذه فطرة لحكمة يريدها الخالق سبحانه وتعالى، ولكن هناك
مواقف قد تدفع الإنسان للتفكير بطريقة عاطفية، فقد يطغى التفكير العاطفي على العقلانية
في بعض الأوقات والظروف، ونشير منها على سبيل المثال:
* الغضب:
هذه حالة تؤثر على العقل، ولذلك كان فقهاء المسلمين يحذرون من أن يقضي القاضي أو
الحاكم في أمر من أمور الناس وهو غضبان لأن هذه الحالة ستجعله يفكر بعقل عاطفي
انفعالي، وسيحيد عن الصواب، يقول الإمام "الماوردي" في كتابه
"الحاوي" وهو من كتب الفقه الشافعي المهمة: "ينبغي للقاضي أن يعتمد
بنظره، الوقت الذي يكون فيه ساكن النفس معتدل الأحوال ليقدر على الاجتهاد في
النوازل ويحترس من الزلل في الأحكام، فإن تغيرت حاله بغضب أو حرد تغير فيها عقله
وخلقه توقف عن الحكم احترازا من الزلل فيه".
* خيبات
الأمل: هذه الحالة تؤثر على العقل، فمع خيبات الأمل يسيطر التفكير
العاطفي، المتشائم على الإنسان، فيرى الأشياء من منظور أزمته أو مأساته، وفي دراسة
علمية بعنوان "أثر
خيبة الأمل في اتخاذ القرارات" قالت:
"يؤثر الشعور بالإحباط، وهو الشعور الذي ينتاب المرء عند مواجهة أخطاء في
توقع المكافأة، تأثيرًا كبيرًا على عملية اتخاذ القرار؛ إذ يميل الأفراد إلى تعديل
سلوكهم بطريقة غير متوقعة في كثير من الأحيان لتجنب الشعور بالمشاعر السلبية".
* التفاؤل
المفرط: هذه الحالة تغري العقل العاطفي بالنشاط والتغاضي عن الكثير من
المعلومات والملاحظات، وكما جاء في الأثر "حُبُّكَ الشيءَ يُعْمِي
ويُصِمُّ" فهذه الحالة تؤدي إلى ما يمكن تسميته بـ"انحياز
التفاؤل" أو ما يسمى بـ""متلازمة بوليانا"، وهي تشير إلى ميل
نفسي غير واع لتركيز على الإيجابيات فقط، وإنكار ما في الواقع من عقبات وأزمات.
كيف أتغلب على
التفكير العاطفي؟
التغلب على هذا
النوع من التفكير يحتاج إلى وعي وجهد ووقت، فهذه الثلاثية ضرورية
للانتقال بالتفكير إلى مساحة من العقلانية الواعية المدركة للواقع والحقائق، وهذا
لن يتأتى بين عشية وضحاها، ولكن لا بد من المثابرة، والتحول التراكمي نحو
التفكير العقلاني، ومع مرور الزمن والنجاحات البسيطة يُرسخ تدريجيًّا التفكير الواعي
والعقلانية وتتراجع تأثيرات التفكير العاطفي، ومن النصائح التي يمكن تقديمها في
هذا الجانب:
* فصل المشاعر
عن الحقائق: وهذه عملية عقلية، وهذا الفصل يتيح للعقل الابتعاد عن استحواذ
العاطفة على التفكير، ونشير على سبيل المثال، إلى أن هدم أسطورة قوة معينة، مثل
"أسطورة الجيش الذي لا يقهر" التي تم ترويجها عن الجيش الصهيوني، تم
ترويجها من خلال عاطفة الخوف التي بثها العدو بدعايته استنادًا إلى بعض نجاحاته.
* بناء عادات
إيجابية في التفكير: ومن هذه العادات، عدم اتخاذ قرار في حالة الغضب،
والاستناد للمعلومات عند اتخاذ القرارات، وتقييم الأشخاص من خلال سلوكهم وأفعالهم،
وليس من خلال انطباعاتي ومشاعري.
* التوازن
العاطفي: وهذا مسلك مهم في تجنب الآثار السيئة للتفكير العاطفي الذي يدفع
الإنسان لأن يحيد عن الصواب والعدل وبخاصة إذا كان يملك سلطة معينة، ولعل هذا
التوازن جاء في نصيحة لسيدنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عندما قال: "أحبب
حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون
حبيبك يومًا ما".
موضوعات ذات صلة:
كيف يؤثر التفكير السلبي على حياتنا وأفكارنا؟