هل تفكيرنا في المستقبل ينمي عقولنا ويقوي رغبتنا في الحياة وقدرتنا على الإنجاز؟ وكيف أستفيد من هذا النوع من التفكير؟
أخي الكريم، التفكير في المستقبل يعيد تشكيل الأمم والمجتمعات، وكذلك يعيد تشكيل
العقول، خاصة إذا اقترن هذا التفكير بالعمل والاستعداد الجيد، فهو إحدى وسائل
هندسة المجتمعات، لذلك يقال "المستقبل يبدأ من اليوم وليس من غد".
المستقبل.. تفكير إيجابي
أخي الكريم، التفكير في المستقبل شيء إيجابي للغاية بالنسبة للعقل والتفكير، ويعيد
تشكيل دماغ الإنسان، ويعزز وينشط مسارات التفاؤل، فتخيل حدوث شيء إيجابي في
المستقبل يحسن الحالة المزاجية للإنسان، ولذلك وجدنا في كتب السياسة الشرعية
الإسلامية تركيزًا على مسألة التفكير الإيجابي في المستقبل، ووجدنا الإمام
"الماوردي" يؤكد أن من واجبات الحاكم أن يخلق لمجتمعه الأمل الفسيح، على
اعتبار أن هذا الأمل هو أحد محركات الحياة، وإحدى وسائل الحفاظ على حيوية الأمة
والمجتمع، مؤكدًا أن الأركان الستة للدولة القوية، هي "الدين المتبع،
السلطان القاهر، العدل الشامل، الأمن العام، الخصب الدائم، والأمل الفسيح".
تشير دراسات في علم الأعصاب إلى أنه عندما تفكر عمدًا في
الاحتمالات الإيجابية المستقبلية، فإنك في الواقع تعيد تشكيل دماغك، وهو ما يؤدي إلى مزيد من الرفاهية العاطفية والمرونة،
ويؤكد علماء الأعصاب أن دماغ الإنسان ليس عضوًا ثابتًا؛ بل يتغير باستمرار بناء
على الأفكار والتجارب، وأن التفكير الإيجابي الذي يركز على المستقبل يعد تمرينًا
جيدًا للدماغ، فالتفكير في المستقبل-حسب الأبحاث العلمية- يشجع على تشكيل الدوائر
العصبية بشكل صحي، فالتفاؤل ليس مجرد شعور، ولكنه كيمياء تفرز في
الدماغ، حيث يحفز هرمونات الدوبامين والسيروتونين المسؤولة عن السعادة
والبهجة والتحفيز، وهو ما يعزز التفكير الإيجابي، فهذه الكمياء تحول الأفكار
الإيجابية إلى رفاهية نفسية.
وهناك في علم النفس أنواع من العلاجات التي تلجأ إلى
التفكير في المستقبل كنهج علاجي يسمى هذا النوع (FDT) وهو اختصار لمصطلح Future-Directed Therapy، وهو يعني "العلاج الموجه نحو المستقبل"،
وهو نهج علاجي لتدريب الدماغ لتغيير الحالة العاطفية من خلال التركيز الاستراتيجي
على الأهداف والتوقعات الإيجابية القادمة، بدلاً من الغوص في أحداث الماضي أو
الصدمات السابقة.
يفترض هذا العلاج أن الإنسان يتحرك ويسلك بناءً على ما
يتوقعه في مستقبله؛ لأنه إذا كانت توقعاتك إيجابية، تحفزت لديك مشاعر الإنجاز
والسعادة.
تقول الكاتبة والشاعرة الأمريكية "مايا
أنجيلو": "من المحزن ملاحظة تشاؤم الشباب؛ لأنه لا يدل على اكتساب معرفة
من التجارب المريرة، بقدر ما يدل على انعدام الثقة حتى في محاولة استشراف
المستقبل"، وهذه المقولة عميقة للغاية، فعدم القدرة على تخيل المستقبل
والاستعداد له، وتخيل موقعك الجيد فيه، فانعدام الرؤية في الغد، تعيد تشكيل العقل
بصورة قد تكون متشائمة، فالذي لا يرى الغد، لا شك أنه ييأس من يومه وحاضره،
ولذا فإن أي شخص مهتم بالمستقبل سيكون شخصًا متفائلاً.
وختامًا أخي الكريم، التفكير في المستقبل يجب أن يكون سمة وعادة يومية تدرب فيها عقلك على
الإيجابية، فتعود أن تدون أحلامك وطموحاتك، بل وتخيلاتك الإيجابية في المستقبل،
وحفز دماغك على التفكير الإيجابي، فالمستقبل يقظة ذهنية وأمل كبير، ولخص الشاعر
العربي يقول: "ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل".
موضوعات ذات صلة:
كيف أنقذ عقلي من متلازمة بوليانا؟
كيف يؤثر التفكير السلبي على حياتنا وأفكارنا؟