ألاحظ أن بعض الشباب الذين يقضون وقتا طويلا على مواقع التواصل الاجتماعي، ويتابعون حياة الآخرين أقل سعادة ورضا عن حالهم وأوضاعهم من غيرهم، فهل فعلا زادت الرقمية من إحساسنا بالمعاناة والألم، أم أن تلك الملاحظ ليس لها مكان في العالم الافتراضي المتوسع؟
أخي الكريم، الرقمية تضخم كل شيء؛ فالشعور بالسعادة تحوله لفرحة غامرة، والإحساس
بالمعاناة تضخمه لتجعل منه مأساة مؤلمة، فاستخدام الشخص للرقمية هو ما يحدد كيفية
تفاعله معها، لكن احتمالات أن تكون الرقمية سببًا في زيادة معاناتنا أمر حقيقي،
وذلك أن الوسيط الرقمي أتاح للشخص رؤية حياة الآخرين والاطلاع على ما فيها من
بهجة، وهنا أخذت روح المقارنات تطفو وتسيطر، وهو ما أوجد للمعاناة مكانًا في
النفس.
المشاهدة والوجود
كان الفيلسوف الفرنسي الشهير "ديكارت" يقول في
عبارته الشهيرة "أنا أفكر إذن أنا موجود"، لكن الإنسان مع التكنولوجيا
الرقمية تحول من التفكير إلى المشاهدة والرؤية، فتغيرت المقولة نحو "أنا
مرئي إذن أنا موجود"، حيث ارتبط الوجود بالحضور في العالم الافتراضي،
فبات الشخص يبحث عن الصورة لبثها أو مشاهدتها، وباتت القيمة تتحقق بعدد المتابعين
وبعدد ما يحصل عليه من إعجابات؛ فالمحتوى الرقمي يُقدم بطريقة تؤدي إلى الاستمرار
في المتابعة، وتعزز التفاعل، وكل تفاعل يفضي إلى استمرار أكثر في المتابعة، وهكذا
يدخل الشخص في حلقة مفرغة، وهنا تكمن المعاناة في الاستمرار ثم الاستمرار.
هذه الحالة جعلت الشخص يبث الكثير من لحظات سعادته
ومغامراته وتألقه على مواقع التواصل الاجتماعي ليتابعه الآخرون، وكما يُقال
الإنسان مع الرقمي لم يعد يرغب أن يكون سعيدًا فقط، بل باتت سعادته الكبرى أن يكون
مرئيًّا مُشاهدًا، وعلى الجانب الآخر كانت هناك حالة تتشكل من بعض المتابعين الذين
لا يملكون مثل هذه السعادة أو النزهات أو السفر، فنشأت المقارنات.
وتعمقت هذه الحالة الاستعراضية في الرقمية والتي طالت
الكثير من مفردات الحياة، مثل الملابس والعطور وإعداد الأطعمة الشهية والجلوس في
المطاعم الفاخرة والشواطئ الهادئة، وغيرها مما يبث كل لحظة في الفضاء الرقمي، وهذه
الحالة لا يستطيع أن يعيشها الغالبية العظمى من الناس لتكلفتها الباهظة، وعدم قدرة
مدخولاتهم على تلبية هذه الحياة الباذخة، وفي ظل الفجوة بين ما يُشاهد وبين ما
يُعاش، نشأ عدم الرضا وتولدت معه المعاناة والألم.
الرقمية وعدم الرضا
مشكلة الرقمية في معاناتنا أنها تضخم الإحساس بعدم
الرضا، ويتجلى عدم الرضا من خلال:
* تنمية الرغبات الاستهلاكية: أصبحت الرقمية
تسيطر على أغلب التسويق للأطعمة، وتنفق بلايين الدولارات على هذه السوق؛ ففي (17)
شهرًا فقط تم مشاهدة (355) مليار إعلان عن الأطعمة والمشروبات، ويسيطر موقع أنستجرام
على (46%) من حجم التسويق الغذائي، إضافة إلى مواقع صفحات الفيسبوك التي تبث مشاهد
إعداد الأطعمة، كل ذلك أحدث طفرة في الروح نحو الاستهلاك دون وجود قدرة على تلبية
هذه الرغبات، فسيطرت حالة عدم الرضا على الكثيرين أمام هذا السيل الهادر من الإعلانات.
* المقارنات: المعروف أن الكثير مما يبثه الأشخاص
عن حياتهم في الغالب منتقى بعناية، ويُقدم ما يعزز الصورة التي يرغب في أن ترسم في
أذهان الآخرين، وهو ما يعني أن الصورة المبثوثة ليست حقيقة بالكامل، حيث يتم إبراز
المنجزات والإيجابيات، وعند بعض المتابعين يؤدي ذلك إلى مقارنات وإعادة تقييم
للذات وفي الغالب يكون التقييم بشكل سلبي، ويتسبب في قلق ومعاناة وغيرة وحسد، وعدم
رضا عن أحوالهم وأنفسهم ونمط حياتهم.
* الاتصال الدائم: إحدى خصائص الرقمية أن الكثير
من مستخدمي الرقمية يكونون على اتصال دائم، وهذه معاناة من كثرة المشاهدات والإشعارات،
والتيقظ المستمر المصحوب بالتشتت وضعف الانتباه، كما أن الاتصال الدائم من مسببات
الإحساس بالعزلة، وفي العزلة يعيد الشخص تكرار أوجاعه وآلامه ويسعى لعلاجها مع
نفسه أو حتى من خلال الانغماس في العالم الافتراضي مرة أخرى.
* الإرهاق التطوري: تتحدث بعض الأبحاث عن حالة
أسموها "الإرهاق التطوري"، ويقولون إن أدمغتنا البشري مصممة على التفاعل
مع مجتمع من (150) شخصًا، أما الإنترنت فمجتمع مفتوح للغاية، ويضطر العقل للتعامل
مع آلاف المدخلات يوميًّا من مشاهدات وأحداث ومآسي وأخبار بشتى أنواعها، وهذا يشكل
إجهادًا عاطفيًّا ونفسيًّا كبيرًا.
وختامًا أخي الكريم، الابتعاد عن الرقمية قد يكون مستحيلاً وغير نافع للإنسان؛ فالحياة والمصالح
والتواصل أصبح يمر عبر الرقمية، لكن المطلوب هو الاعتدال وليس الامتناع،
والاعتدال هو أن تعطي لنفسك وروحك حقها في السكون والصوم الرقمي.
موضوعات ذات صلة:
ما علاقة الرقمية بانتشار روح الحسد؟
هل أضعفت الرقمية ذاكرة الإنسان؟
هل للذكاء الاصطناعي تأثيرات سلبية على العقل؟