دفع من مزدلفة قبل منتصف الليل بسبب الزحام، هل عليه فدية؟

في مزدلفة، لو دفعنا قبل منتصف الليل بسبب الزحام الشديد أو مرض أحد المرافقين، هل يصح الحج وما هي الكفارة المترتبة؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بكم أخي العزيز.

 

اختصارًا: دفع المحرم من مزدلفة قبل منتصف الليل يصح معه الحج بإجماع العلماء ولا يبطل؛ لأن المبيت بمزدلفة أو عموم المكث فيها ليس ركنًا من أركان الحج. أما من حيث وجوب الكفارة؛ فقد رخص العلماء المعاصرون والمجامع الفقهية، تبعًا لجمهور الفقهاء، للمريض والضعيف ومن يقوم برعايتهم من المرافقين بالدفع قبل منتصف الليل أو بعد مغيب القمر دون ترتب أي كفارة عليهم؛ لعذر المرض والزحام الشديد الذي يأخذ حكم الضرورة؛ استنادًا لرخصة النبي لضعفة أهله. أما القوي الصحيح الذي ليس معه ضعيف، فإذا دفع قبل منتصف الليل لغير عذر، فإنه يلزمه شاة تذبح في الحرم وتوزع على فقرائه عند جمهور العلماء.

 

المذاهب الفقهية الأربعة:

 

• المذهب الشافعي والحنبلي (الرخصة للضعفة ومرافقيهم): يرى الشافعية والحنابلة أن وقت المبيت الواجب بمزدلفة يتحقق بالوجود فيها في النصف الثاني من الليل ولو لحظة، ورخصوا للضعفاء والنساء والمرافقين لهم بالدفع بعد مغيب القمر وهو قريب من منتصف الليل، ومن كان له عذر كالمرض أو رعاية المريض فلا دم عليه إن دفع قبل ذلك للمشقة.

 

"السنة للضعفة من النساء وغيرهن أن يتعجلوا من مزدلفة إلى منى بعد نصف الليل... فلو تركه (أي المبيت) بغير عذر لزمه دم، وإن تركه بعذر فلا دم عليه، ومن الأعذار: المرض، والخوف على نفسه أو ماله، أو يمتنع من المبيت لكونه يشتغل بمصلحة الحجاج كأصحاب السقاية والرعاية" (المجموع، ج 8، ص 141).

 

"وقدم النبي ضعفة أهله بليل، وأذن لهم في الدفع قبل زحمة الناس... فمن دفع معهم من الرجال لقصد رعايتهم والدفع بهم فلا شيء عليه، ومن دفع لغير عذر قبل نصف الليل فعليه دم" (المغني، ج 3، ص 395).

 

• المذهب الحنفي والمالكي (اعتبار الزحام والمرض عذرًا مسقطًا للفدية): يرى الحنفية أن الواجب هو الوجود في مزدلفة بعد طلوع الفجر (وقت الوقوف)، ويرى المالكية أن الواجب هو النزول بمزدلفة بقدر حط الرحال وصلاة المغرب والعشاء. والجميع يتفق على أن الأعذار كالمرض والزحام المانع من الاستقرار تُسقط الكفارة.

 

"لو ترك الوقوف بمزدلفة بعذر كمرض أو ضعف أو زحام شديد خاف منه على نفسه أو امرأته، فلا شيء عليه؛ لأن الواجب يسقط بالعذر" (حاشية ابن عابدين، ج 2، ص 514).

 

• الشيخ عبد العزيز بن باز (رحمه الله): يرى أن القوي يلزمه البقاء إلى النصف الثاني من الليل، أما المريض والضعيف ومن يعينهم فيجوز لهم الدفع مبكرًا دون كفارة.

 

"يجوز للضعفاء من النساء والشيوخ والمرضى ومن يتولى قائد القيادة لهم أو رعاية شؤونهم أن يندفعوا من مزدلفة في النصف الثاني من الليل ولا حرج عليهم في ذلك، ولا فدية... أما الأقوياء فالأفضل لهم أن يقيموا بها حتى يصلوا الفجر، فإن دفعوا قبل نصف الليل لغير عذر لزمهم دم، أما إن كان لعذر كمرض مفاجئ فلا إثم والدم يسقط بالعذر المشق" (مجموع فتاوى ابن باز، المجلد 17، ص 285).

 

• مجمع الفقه الإسلامي الدولي (التابع لمنظمة التعاون الإسلامي): ناقش المجمع في دوراته النوازل المتعلقة بالزحام في الحج والتيسير على الحجيج، وأصدر قرارات واضحة بشأن الدفع من مزدلفة وعلاقتها بالزحام المعاصر.

 

"إن التيسير على الحجاج في أداء المناسك أمر تقتضيه مقاصد الشريعة الإسلامية... وبناءً عليه: فإن الدفع من مزدلفة بعد غياب القمر أو عند اشتداد الزحام الشديد الذي يخشى منه وقوع الضرر والآفات على الأنفس، يُعد رخصة شرعية تشمل الضعفاء والأقوياء على السواء في العصور المتأخرة، ولا تترتب على الآخذين بهذه الرخصة فدية أو دم، صيانةً لأرواح المسلمين" (قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي بشأن زحام الحج، القرار رقم 164). والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

5 حِكَم للسكينة بعد عرفة.. لماذا يبيت الحجاج في مزدلفة؟