هل تقف الرقمية وراء سخطنا على أجسادنا؟

من خلال متابعتي لصفحات بعض الشباب والفتيات، لاحظت حالة من عدم الرضا عن أجسادهم، فهل ساهمت الرقمية في هذه الحالة، حيث بات الكثير ساخطًا على أشكالهم وصورهم، وأصبح استخدام الفلاتر هو الأمر الشائع في مواقع التواصل الاجتماعي، ومساعي تغيير الوجه والجسد من خلال الذكاء الاصطناعي.

أخي الكريم، آثار الرقمية لن تتوقف حتى تعيد هيكلة الحياة الإنسانية بالكامل، وتعيد صياغة الإنسان لتنتج إنسانًا جديدًا يلائم الوسيط الرقمي، ومن المخاطر الكبرى على الإنسان وعيًا وسلوكًا، هو أن الرقمية زادت من عدم الرضا الكثير من الناس عن أجسادهم وصورهم، فأصبح هناك شكل وجسم مثالي يتمناه الجميع، وبات الاختلاف والتنوع مسارًا غير مقبول وبخاصة من الشباب والفتيات.

 

الرقمية وعدم الرضا

 

أخي الكريم، عدم الرضا عن الجسم ظاهرة واسعة الانتشار تشمل الأفكار والمشاعر السلبية للفرد تجاه جسده ومظهره، ويتضمن عدم الرضا عن الجسم، من جهة، التقييم الذاتي للمظهر، ومن جهة أخرى، التناقض المُدرك بين الحالة الفعلية والحالة المرغوبة فيما يتعلق بالمظهر الجسدي.

 

والموقف من الجسد يختلف باختلاف النوع من ذكر أو أنثى، وباختلاف العمر، وكذلك باختلاف الواقع الثقافي والاجتماعي والأخلاقي، وعدم الرضا عن الجسد له تأثيراته النفسية، فقد يؤدي عند البعض إلى نهم للطعام، أو حتى عزوف عن الطعام، أو الخضوع لحميات غذائي صارمة.

 

أخي الكريم، تسببت الرقمية في عدم رضا الكثير عن أجسادهم وصورهم، ولعل ذلك يرجع إلى أن كمية الصور المبهجة التي يشاهدها الشخص كل يوم على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى صفحات الإنترنت ضخم للغاية، رغم أن الكثير منها خضع لتقنيات تعديل الصورة والفلاتر والذكاء الاصطناعي الذي يعطي صورة أخرى تختلف عن الأصل، ومع المشاهدة تنمو مشاعر المقارنة وعدم الرضا، والسخط على الشكل والجسد.

 

تشير إحصاءات إلى أن مشاركة منشورات حول الجمال والرشاقة بلغ (508) ملايين في عدة أشهر من عام 2022م في أحد الهاشتاجات فقط، وهو ما يعني أننا أمام ظاهرة تستدعي التوقف والنقاش.

 

في دراسة محكمة صدرت عام 2023م عن "تأثير وسائل التواصل الاجتماعي عن عدم رضا الشباب عن أجسادهم"، وخلصت إلى:

 

* أن الأبحاث تؤكد وجود علاقة عكسية بين التعرض الإعلامي لصور الجسد في سياق معايير الجمال السائدة وبين الرضا عن الجسد.

 

* وأن الرضا عن شكل الجسم يزداد مع بدايات مرحلة المراهقة، بالتزامن مع ارتفاع مؤشر كتلة الجسم.

 

* أن عدم الرضا عن الجسد له تأثيره في اضطرابات الأكل، وأحد العوامل الرئيسية في وجود النهم للطعام، وفي أحيان فقدان الشهية.

 

* أن عدم الرضا عن الجسد له ارتباط بمحاولات الأشخاص وخاصة الشباب القيام بعمليات التعديل الخاطئ وغير الطبي للجسد، مثل الرياضة المفرطة، أو الإفراط في تناول المكملات، أو عمليات التجميل الضارة.

 

* عدم الرضا عن الجسد له ارتباط بعدم الإقبال على الحياة، وفقدان الشغف، والاضطرابات النفسية، وفي بعض الأحيان يؤدي إلى اضطرابات سلوكية، وانخفاض التقدير للذات، خاصة إذا وجدت مقارنات لأشخاص آخرين في نفس الفئة العمرية.

 

* عدم الرضا عن الجسد له تأثير على العلاقة مع الجنس الآخر، فقد يخفض توقعات الشخص في شريك حياته، أو يقيم الآخر من خلال جسده فقط دون وجود أي اعتبار لعوامل أخرى.

 

تشيؤ الجسد

 

تشيؤ الجسد، أي تحوله إلى شيء قابل للتداول، وفصله عن الروح ومنظومة القيم، ربما تفاقم مع الحداثة والعلمنة والمادية بشتى صورها، لكن مع الرقمية أصبح تشيؤ الجسد كثيفًا في العالم الافتراضي، فالغالبية تقارن نفسها وتقييم ذاتها من خلال الجسد، وهذه الحالة شديدة الظهور في الشباب، وبشكل أخص في الفتيات.

 

ولعل ما زاد من حالة تشيؤ الجسد في العالم الافتراضي، هو محاولة فرض معايير مثالية للجسد والشكل، وذلك من خلال ترويج نماذج تكاد تكون مستحيلة، ولذا فإن الرقمية بالغت في الهوس بالجسد إلى حد عدم الرضا عن الذات، بل وكراهية الجسد وتمني الانخلاع من هذا الجسد والحلول في جسد آخر وفي صورة أخرى.

 

التعرض مع الرقمية لعدد لانهائي من الأجساد والصور المثالية، والتي كان لتطور برامج الذكاء الاصطناعي والجرافيك وفلاتر تحسين الصورة دور في تعظيم جاذبيتها، أوجد حيرة عميقة لدى الغالبية، وسخطًا عن حالهم وأجسادهم، في ظل تثبيت معايير الجمال والجاذبية.

 

وختامًا أخي الكريم، الرضا هو باب السكينة للروح، والاطمئنان النفسي، ولذلك كان يُقال "الرضا ثمرة شعاع المعرفة"؛ فالإنسان إذا عرف أن الأرزاق والأجسام والأموال وغيرها، هي من إرادة الخالق سبحانه وتعالى، تحقق له الرضا والاطمئنان، ولذلك كانت الصوفية تقول "الرضا ترك الاختيار"، والجسد ليس اختيار الإنسان، ومن ثم فالرضا هو مقام قلبي يحقق السكينة.

 

موضوعات ذات صلة:

ماهية السؤال الأخلاقي في جراحات التجميل؟

هل تحتاج عقولنا إلى قيمة الرضا؟

التكلفة الغارقة لماذا تحبط أفكارنا؟

لماذا تضخم الرقمية إحساسنا بالمعاناة؟

هل يعيد التفكير في المستقبل تشكيل تفكيرنا؟